الذريعة وذرائعها: ما حصل في غزة نموذجا

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

كثرت التحاليل والتكهنات والقراءات في الصحف والإعلام حول أسباب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ولكن قراءة متأنية متفحصة لجوهر هذه القراءات ستلحظ سيادة مفهوم الذريعة الذي يخفي بدوره ذرائع أخرى مستترة، ليغدو منطق الذريعة بذاته هو ذريعة أخرى لخلط المفاهيم وإخفاء الأسباب الحقيقية لهذا العدوان المجنون.
تعددت الذرائع في الخطاب العربي السائد : من انقلاب حماس على الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير المختزلة بالسلطة الفلسطينية، إلى إلغاء التهدئة، إلى سجن مناصري فتح في سجون حماس، إلى  جعل غزة إمارة إسلامية أو موقع متقدم للخمينية الإيرانية في المنطقة العربية..
ومنطق الذريعة ليس جديدا، إنه يأتي دائما في الأوقات العصيبة لتبرير ما لا يبرر. نتذكر جيدا ذرائع العدوان الإسرائيلي على لبنان، حيث كانت الذريعة خطف الجنديين الإسرائيليين، لنكتشف بعد مضي زمن قصير وعلى لسان الإسرائيليين أنفسهم أن العدوان كان يعد له منذ زمن سابق. والطامة الكبرى أن الكتّاب والمحللين أنفسهم الذين روّجوا للذريعة آنذاك، هم أنفسهم من يروّج لمنطق الذريعة الحمساوية  الآن، دون أن يعتذر أحدا منهم أو يتراجع عن خطأ تحليله أو يصوّبه على ضوء نتائج الواقع، الأمر الذي يطرح تساؤلا أخلاقيا عن “ذريعة ” من يكتبون ؟ ولماذا يكتبون ؟
ومنطق الذريعة موجود منذ الحروب العربية الإسرائيلية الأولى، حين اتهم عبد الناصر بتقديم الذريعة لإسرائيل عام 67 بعد أن طلب مغادرة القوات الدولية، واتهمت المقاومة الفلسطينية بتقديم الذرائع لغزو جنوب لبنان، و هناك ذريعة الرئيس العراقي السابق صدام حسين باحتلاله الكويت وذريعة أسلحة الدمار الشامل، و..و…
يتحدث المحتجون على حماس بتقديمها الذريعة لإسرائيل، ويتناسى هؤلاء – إذ أخذنا بمنطقهم عن الذريعة- أن من ألغى حماس من المعادلة السياسية بعد فوزها بانتخابات نيابية نزيهة باعتراف الأوربيين والأمريكيين، ومن سكت على سجن النواب المنتخبين من حماس ( ومنهم رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب ديمقراطيا عزيز الدويك)، ومن كان يسجن ويلاحق حماس عندما كانت مشروع مقاومة فقط، هو من قدّم الذريعة لحماس لفعل ما فعلت.
ولنا أن نتابع ونقول لمن يتساءلون : هل أخذت حماس رأي أهل غزة  ؟ نسأل :هل أخذت السلطة الوطنية الفلسطينية السابقة رأي الفلسطينيين (جميعا ) عندما وقعت أوسلو؟ أي هل كان هناك شرعية ديمقراطية حقيقية لما كان سائدا قبل حماس،حتى نطالب حماس بالعودة إليه، ولماذا نتذكر الشرعية فقط فيما يتعلق بحماس فقط ؟ ولم منطق الذريعة يطبق عليها فقط ؟
كل الأسئلة السابقة تصبح مشروعة إذا أخذنا منطق الذريعة هذا، بحيث يصبح منطق الذريعة المستخدم هنا هو ذريعة لتغطية ذرائع أخرى أشد هولا وتنطبق بحذافيرها على سياسات الفريق الآخر الذي يدافع عنه منتجو (نظرية الذريعة) بطريقة تدعو للرثاء.
رغم ذلك نحن لا نأخذ بمنطق الذريعة، ونعلم أنّ لحماس أخطاءها الكثيرة وتهوراتها الخارجة عن لعبة السياسة والتوازنات، بدءا من برنامجها السياسي الذي يجعل أرض فلسطين وقف إسلامي، وهي كانت ومازالت ملتقى الديانات التوحيدية الثلاث(يهودية ومسيحية وإسلام)(لم تقل لنا حماس ماذا ستفعل بمسيحي فلسطين وأراضيهم؟ هل سيدفعون الجزية  بعد التحرير الشامل؟)
مرورا بدخولها اللعبة السياسية والديمقراطية تحت سقف الاحتلال، لأن ديمقراطية الاحتلال هي ديمقراطية زائفة لا تفضي إلا لإسباغ الشرعية على تصرفات الاحتلال وأعوانه، وليس انتهاءاً بتصرفاتها  الحمقاء بعد فوزها بالانتخابات (من فرضها الشريعة الإسلامية في غزة وتحويلها إمارة طالبانية وتصفيتها خصومها بمنطق القوة والبلطجة متناسية أن دخولها اللعبة السياسية يفرض عليها العمل وفق قوانينها، لأنها كانت تتصرف باسم السلطة، ومن يصل السلطة عليه أن يتصرف كأب للجميع وليس بمنطق الإقصاء والعزل وهي هنا تصرفت كما كانت السلطة الفلسطينية تتصرف(ومازالت) بمنطق الثأر وفرض الأمور بالقوة).
ولكن مهما كان خطأ حماس كبيرا،  هذا لا يبرر الاحتلال و قصف الأبرياء و اجتياح المدن، لأن الاحتلال لا ينتظر ذريعة. إن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شرعية يفتقدها وكأنه مكوّن أساسي من المكوّنات الأساسية التي ينبغي علينا ملاطفتها أو مداهنتها، أي تنسى النظرية هذه (أو تتناسى) أنه احتلال لا شرعية له، وأن مقاومته حق وواجب. وهو نفسه يدرك أنه احتلال لذا يبحث عن شرعيته بوسائل القوة والمجازر والقتل والدمار، أي أن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شيئا هو يرفضه !
وختاما نتساءل : هل احتاجت  إسرائيل لذريعة عندما تأسست ؟  وهل احتاجت مجازرها الدموية القديمة(دير ياسين – صبرا وشاتيلا) والحديثة(قانا 1وقانا2 وغزة حاليا) لذريعة ؟وهل انتصرت في 67 بذريعة ؟ وهل احتلت جنوب لبنان بذريعة ؟ وهل قصفت المفاعل العراقي بذريعة ؟ وهل ضربت الموقع السوري في دير الزور بذريعة ؟ وهل اغتالت الشهداء بذريعة المقاومة؟
هل ينتبه منتجو خطاب الذريعة أن إسرائيل تتمدد وتضرب وتقتل بوحشية، بينما ذرائعهم تبدو في أغلبها كمبرر لكل هذه الوحشية  متناسين أبسط حقوق الشعوب في المقاومة والدفاع عن حقوقها، والأهم حرية الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها !
© منبر الحرية، 11 مارس 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018