الوسط الجامعي العربي وواقع حقوق الملكية الفكرية

إدريس لكريني18 نوفمبر، 20100

يعد البحث العلمي سواء في صورته المرتبطة بالعلوم الطبيعية أو تلك التي تنصب على مقاربة العلوم الإنسانية؛ أدق وأسمى الحقول المعرفية؛ فهو يعتمد على مناهج وسبل منظمة قوامها التجربة والملاحظة.. لاستجلاء الحقائق والمعارف والتأكد من الفرضيات بصدد مواضيع وقضايا مختلفة؛ بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة تسهم في حل مشاكل وقضايا المجتمعات.
والإسهامات البحثية والفكرية يفترض أن تحمل قدرا من الموضوعية والأصالة والإبداع بما يسمح باحترام أصول وقواعد الأمانة العلمية؛ فهذه الأخيرة وعلاوة عن كونها تقتضي الإشارة إلى مصدر المعطيات والمفاهيم والتعريفات والإحصاءات.. ومختلف المعلومات التي وظفت في البحث دون تحريفها أو تشويها؛ فإنها تفرض عليه أيضا الالتزام بإدراج النتائج والخلاصات التي توصل إليها الباحث دون تحفظ أو مجاملة أو نقصان.
وتفيد العديد من التقارير والأخبار أن وتيرة السرقات العلمية تزايدت في السنوات الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم بشكل عام؛ نتيجة لتطور وسائل الاتصال وما أحدثته ثورة الإنترنت في هذا الشأن؛ والتي سهلت عمليات وتقنيات هذه السرقات من جهة؛ وصعبت من جهة ثانية مأمورية المقاربة القانونية في هذا الشأن.
وهي سلوكات مشينة تنطوي على استعمال حقوق الملكية الفكرية للغير على نحو غير مشروع؛ وعلاوة عن كونها عمل غير قانوني تجرمه مختلف التشريعات الوطنية؛ والاتفاقيات الدولية؛ فهي سلوك لا أخلاقي ويتنافى مع أبسط الحقوق التي كفلتها التشريعات المحلية والدولية للإنسان. ذلك أن الثانية من المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشير إلى أن “لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني”.
وإذا كان من المألوف أن نجد هذه السلوكات المنحرفة في المجالات الصناعية وما يرتبط بها من ملكية صناعية؛ أو في أوساط بعض الباحثين المبتدئين أو بعض الكتاب المغمورين إما عن قصد بهدف الربح المادي أو الشهرة أو سعيا للترقية في سلم الإدارة.. أو نتيجة للأخطاء وقلة الوعي.. فإن الممارسة والواقع يثبتان يوما بعد يوم تورط العديد من الأساتذة والباحثين الجامعيين في هذه المنزلقات؛ سواء تعلق الأمر منها بترجمة أو نقل الكتب والأطروحات والمحاضرات الأجنبية وغيرها ونشرها أو عرضها على الطلبة باعتبارها إنتاجا وإبداعا شخصيا؛ أو بالترامي على أفكار الغير واستنتاجاتهم بشكل جزئي أو كلي دون الإشارة إلى مصادرها وأصحابها..
والسؤال الذي يظل مطروحا في مثل هذه الحالات: كيف يمكن لمتورط في هذه الممارسات أن يتحمل مسؤولية تربية وتعليم النشء وتلقينه مبادئ وقيم البحث العلمي ومناهجه؟ وكيف يمكن أن يستأمن على مؤسسات حيوية بالمجتمع والدولة؟
ويبدو أن تفشي هذه الظاهرة في الأوساط الأكاديمية العربية؛ لا يمكن فصله عن الأزمة التي يعرفها الحقل الجامعي والبحث العلمي في الأقطار العربية بشكل عام.
إن حجم الاستثمار في مجالي التعليم والبحث العلمي؛ أضحى معيارا ومؤشرا أساسيا لقياس مستويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.. داخل الدول. وتعتبر الأقطار العربية من ضمن أكثر الأقطار حاجة إلى تطوير قطاعي التعليم والبحث العلمي والمراهنة عليهما في تنميتها؛ كسبيل للحاق بركب الدول المتطورة في هذا الشأن.
وإذا كان التعليم بكل مستوياته يعد أحد أهم المداخل الرئيسية لتحقيق تنمية حقيقية محورها الإنسان؛ وبوابة لإعمال تنشئة اجتماعية بناءة قادرة على إعداد جيل مبدع وخلاق، فإن عددا من الأبحاث والتقارير المحلية والدولية تشير إلى المأزق الذي تعرفه منظومة التعليم في عدد من الأقطار العربية؛ نتيجة لضعف الاعتمادات المالية المرصودة لهذا المجال الحيوي؛ ولعجز المؤسسات التعليمية عن مسايرة مختلف التطورات العلمية؛ وعدم انفتاحها على المجتمع؛ بالإضافة إلى اعتمادها مناهج وطرق تعليمية جامدة ومتجاوزة؛ ترتكز إلى الحفظ والتلقين والشحن؛ عوض الفهم والمناقشة والإبداع والتحفيز على طرح السؤال؛ وفي ظل نظم تعليمية وتربوية عقيمة؛ أغلبها ينحو للماضي أكثر منه إلى الحاضر والمستقبل؛ ويكرس التقليد والتبعية بدل الاجتهاد والإبداع. الأمر الذي يجعل شهادات العديد من خريجي المعاهد والجامعات لا تعكس المستوى العلمي الحقيقي لحامليها.
وكنتيجة موضوعية لهذه الوضعية أصبح البحث العلمي العربي في السنوات الأخيرة يعرف مجموعة من الاختلالات والمشاكل المرتبطة بظهور عدد من الكتب والأبحاث والدراسات العقيمة التي تغيب فيها الأصالة ومقومات البحث والأمانة العلميين.
ونظرا لارتباط ظاهرة السرقات الفكرية بالاعتداء على حق من أهم الحقوق المكفولة للإنسان؛ وللخسائر المادية والمعنوية التي تترتب عنها والتي تتجاوز في تداعياتها ومخاطرها حدود الدول في ظل تشابك العلاقات الدولية وتسارعها؛ سعى المجتمع الدولي منذ فترات مبكرة إلى نسج عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية؛ أهمها الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف؛ على طريق وضع حد لهذه الممارسات السيئة واحتوائها ضمن سياق الاعتراف المتبادل بهذه الحقوق.
وقد تم الإقرار لأول مرة بأهمية الملكية الفكرية في اتفاقية باريس بشأن حماية الملكية الصناعية سنة 1983، كما تعد اتفاقية (برن Bern) بشأن حماية المصنفات الأدبية والفنية التي اعتمدت بتاريخ 9 شتنبر 1886؛ من أقدم الاتفاقيات الدولية في مجال الملكية الأدبية والفنية. وبالرغم من مشاركة معظم الدول العربية في منظمة أو اتحاد دولي لحماية الملكية؛ فإن تطور قانون الملكية الفكرية في معظم الأقطار العربية مازال متعثرا ولم يرق إلى حجم التحديات المطروحة.
ويكاد يجمع الباحثون والمهتمون على أن ظاهرة الاعتداء على الملكية الفكرية تنتشر عادة وبشكل صارخ في أوساط الدول المتخلفة؛ كمؤشر عن عدم إيلاء صانعي القرار الاهتمام للفكر والإبداع بشكل عام؛ وعدم مواجهة مرتكبي السرقات بالصرامة والزجر المطلوبين؛ على عكس الدول المتقدمة التي تواجه الظاهرة بإجراءات وتدابير وقائية وزجرية صارمة؛ تضيق من فرص حدوثها.
لقد صادقت عدة أقطار عربية على مختلف المعاهدات المرتبطة بهذا الشأن؛ ومنها من أصدر تشريعات في هذا الخصوص كمصر؛ المغرب، سوريا..؛ غير أن جمود القوانين وعدم مسايرتها لتطور وسائل هذه القرصنة المعتمدة على تطور التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى وضعية القضاء وما يحيط به من مشكلات مرتبطة بعدم الصرامة في فرض احترام القوانين؛ أو اقتصار العقوبات على بعض الغرامات المالية..؛ تفرغ هذه الضوابط من كل فعالية؛ الأمر الذي لا يشجع العديد من ضحايا القرصنة إلى اللجوء إلى القضاء..
وأمام هذه الوضعية؛ يكتسي فضح سلوك مقترفي السرقات العلمية أهمية وضرورة قصوى؛ بالنظر إلى فعاليته ونجاعته في صد وردع هذه الممارسات.
ونقصد بذلك؛ العمل على فضح هذه السلوكات إذا ثبت حدوثها بالفعل؛ والترويج لها على نطاق واسع، وهي مهمة يفترض أن تتحملها مجموعة من الجهات من باحثين وجامعات وإعلام ومراكز للأبحاث.. كإجراء لردع مقترفي هذه السلوكات؛ وتكريس ثقافة تقر بأهمية هذه الملكية وتؤمن بضرورة مواجهة الممارسات المسيئة لها.
إن اللجوء إلى تقنية الفضح يجد مبرراته في كون عدد كبير ممن يتعرضون لهذه السرقات يمتنعون عن اللجوء إلى القضاء؛ لقناعتهم بعدم فعاليته ونجاعته في ردع هذه الأعمال أو لاعتبارهم أن المسألة أضحت عادية ومعهودة ولا تستدعي اهتماما كبيرا؛ كما أن الحكم القضائي إذا ما صدر في هذا الصدد؛ وعلاوة عن كونه غالبا ما يقتصر في مضمونه على تعويض الضحية دون اتخاذ إجراءات تأديبية تمنع الجناة من مزاولة مهام البحث والتعليم بشكل نهائي أو لفترات محددة أو من المشاركة في الندوات واللقاءات أو في المؤسسات العلمية..؛ يظل في الغالب محدود الإشعاع؛ بحيث يقتصر العلم بمضمونه على الجاني والضحية والقاضي فقط.
والفضح من هذا المنطلق؛ لا يعني الامتناع عن اللجوء إلى القضاء؛ فاللجوء إلى هذا الأخير ضروري في جميع الأحوال؛ مع الترويج لهذا السلوك في حالة التأكد من وقوعه، بل ينبغي أيضا الترويج للقرارات القضائية التي تصدر في حق الجناة بهذا الصدد؛ حتى تفي بوظيفتها وهدفها المطلوب.
© منبر الحرية، 21 فبراير 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018