peshwazarabic17 نوفمبر، 20100

في مقابلة متلفزة ومشحونة بدلالات وأبعاد البون الثقافي بيننا وبين أوربا، قال الضيف وهو “إريك راؤول”، مقرر اللجنة البرلمانية لمنع النقاب في فرنسا ما نصه أن “مجرد رؤية امرأة منقبة بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها في مكان عام بفرنسا يشكل “صدمة” بالنسبة للناظر الفرنسي. الرجل لم يبالغ بهذا القول، خاصة وأن العين الفرنسية أو الألمانية أو الأوربية عامة لم تتعود مشهداً للمرأة مثل هذا، باستثناء حالات مثل أفلام الخيال العلمي أو أفلام الرعب.
والحق، فإن البون الثقافي والاجتماعي بين العالمين الغربي والشرقي يجعل من “المشاهد الصادمة” أهم وأبدع مزايا السفر والسياحة والارتحال: فمن الطبيعي أن يكون مشهد شابة جميلة ترتدي سروال الجينز مسرعة في الشارع وبيدها سيجارة، نقول انه من الطبيعي أن يكون هذا المشهد صادماً لرجل عربي كان قد غادر قبل سويعات مطار عاصمة بلاده (حيث ينظر إلى تدخين المرأة كحال سلبية أو حتى لا أخلاقية، للأسف) لينزل إلى شوارع مدينة أوربية فيشاهد عجائب الأشياء، من نوع شاب وشابة يتبادلان القبل الساخنة بكابينة الهاتف العام في الشارع! هذه مشاهد صادمة بالنسبة للعين العربية، فما بالك بهذه العين إذا ما شاهدت عجائب وغرائب المتنزهات والنوادي العارية أو سواحل السباحة في إيطاليا وإسبانيا حيث يكون لحم البحر المتوسط مكشوفاً، ربي كما خلقتني؟
بالنسبة للعين العربية هذه مشاهد صادمة، ذلك أن مشاهداً بسيطة لا تتجاوز تقليصاً محدوداً لطول ثوب المرأة، أو فتح زائد لأزرار القميص بالنسبة للرجل، نقول تبدو لدينا مشاهد “لا أخلاقية” يمكن أن نحتج عليها بدعوى خدش “الذوق العام”.
لم تحاول المحاورة العربية الحسناء في هذه المقابلة المتلفزة أن تتفهم حجم الصدمة التي كان البرلماني الفرنسي أعلاه يحاول أن يعبّر عنها بمناسبة مشاهدة امرأة منقبة في شارع باريسي أو في مقهى على “الشانزلزيه” أو وهي ترفع الستارة المتدلية من غطاء الرأس التي تغطي الفم كي ترتشف شيئاً من العصير المقدم لها في ذلك المقهى. مثل هذا المشهد يُعد حالة كاريكتيرية في العالم الغربي.
أنا شخصياً شعرت بصدمة ثقافية قوية لحظة هبوطي بمطار مدينة “سوفا” عاصمة جزر فيجي عام 1981، حيث أن جميع الرجال يرتدون التنورات بدلاً من السراويل لباساً رسمياً (مع ربطات العنق والجاكيتات!) كان المشهد بالنسبة لي صادماً بكل معنى الكلمة.
ثمة “أبوان” ثقافية واجتماعية تمتد بين عالمين مختلفين: العالم الشرقي، العربي/المسلم من ناحية، والعالم الغربي الآري/العلماني من الناحية الثانية. هنا، بكل دقة يمكن أن ندرك لماذا كان البرلماني الفرنسي لا يبالغ عندما يقول أن مشاهدة المنقبة الصامتة بالنسبة للناظر الفرنسي الذي اعتاد النساء الفرنسيات الفارعات الطول وهن يتحدثن معه في الفكر والسياسة والفلسفة، هو مشهد صادم له، هو لا يبالغ قط، ولن يبالغ قط كذلك إذا ما شعر بذات الصدمة عندما يرى عربياً بكامل زيه الصحراوي وهو يقود ناقته في حي “مونامارتر”. هذا المشهد غير ممكن وغير متوقع في عاصمة الثقافة الغربية، باريس. هو ممكن في مهرجان ثقافي أو كرنفال عجائبي، وليس كحالة اعتيادية نريد أن نفرضها عليهم: فهل يعقل أن نطالب فرنسا بامتطاء الجمال في شوارعها باعتبارها الحالة الشائعة في صحارينا، متوقعين من المشرّع الفرنسي التخلي عن سيارات البيجو والرينو؟
لقد كان البرلماني الفرنسي يبذل قصارى جهده كي يوصل فكرة الصدمة أو المشهد الصادم للمذيعة العربية الحسناء التي حاولت جهدها (حسب أوامر الفضائية التي تريد أن تبدو وكأنها غيورة على الإسلام والمسلمين أكثر منهم في العالم العربي) أن تظهر البرلماني الفرنسي ظالماً أو مخطئاً، بالرغم من أن شكلها لم يكن يوحي بأنها مسلمة أو من مجتمع مسلم: لا حجاب ولا نقاب ولا خمار، ولا هم يحزنون.
هنا يكمن شيء من “نفاق” الإعلام العربي هذه الأيام، خاصة عندما حاولت بعض قنوات هذا الإعلام الانحياز إلى النقاب بتعامٍ لا مبرر له، بينما لم تحاول هذه القنوات ذاتها أن تدعو إلى النقاب داخل مجتمعاتنا العربية خشية الاحتكاك بمن لا تحمد عقبى الاحتكاك به! أليست هذه مفارقة نفاق من الدرجة الأولى: أن يعين الإعلام نفسه محامياً مدافعاً عن النقاب في أوربا بينما هو يقدم أجمل المذيعات المسلمات بلا نقاب ولا حجاب، بل هو لا يتجاسر على الدعوة إلى النقاب في المجتمع العربي الذي يعمل فيه.
الطريف في الحوار المتلفز أعلاه وحسب تعليمات إدارة القناة بطبيعة الحال، كان سؤال المذيعة الجميلة السافرة حول إمكانية أن يمدد الفرنسيون “الموجة المضادة للنقاب” لتشمل الحجاب الإسلامي البسيط في وقت لاحق. لقد حاول البرلماني الفرنسي الإجابة على هذا السؤال عبر جهده لإفهام المذيعة أن النقاب يختلف عن الحجاب البسيط، درجة أنه راح يوظف يديه للإيضاح باعتبار أن النقاب هو “قناع” يوضع على كامل وجه المرأة، وهو لذلك يختلف بالتمام عن الحجاب الاعتيادي الذي يمكن للعين الفرنسية تجاوز مشاهدته!
© منبر الحرية ، 13 يونيو / حزيران 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018