peshwazarabic17 نوفمبر، 20100

إذا ما عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء على وقع المفاوضات الجارية حاليا مع إيران للتوصّل إلى اتفاق حول الأزمة النووية وعدد من المشكلات المثارة، وتحديدا إلى تاريخ 14/6/2008، سنصاب بالذهول والحيرة.
فقد شهد ذلك التاريخ تقديم الاتحاد الأوروبي ما يسمى “عرض الحوافز” إلى إيران بموافقة وتوقيع كل القوى الكبرى ومن ضمنها الولايات المتّحدة والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا. وقد تضمّن ذلك العرض لمن يريد مراجعته حوافز ذات سقف عالي جدا، وشملت الطاقة والسياسة والاقتصاد والزراعة والطيران والصناعة والتكنولوجيا، وشملت أيضا نفس الأفكار التي يتم التفاوض عليها حاليا، وقد رفضته إيران حينها.
وقد تضمّن الشق المتعلّق بالطاقة آنذاك اقتراحا يشير إلى النقاط التالية:
•    توفير المساعدات التقنية والمالية اللازمة لاستخدام إيران السلمي للطاقة النووية، ودعم استئناف مشاريع التعاون التقني في إيران من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
•    دعم إقامة مفاعلات الماء الخفيف استنادا لآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا.
•    مساندة الأبحاث والتنمية في الطاقة النووية وذلك مع استعادة الثقة الدولية تدريجيا.
•    توفير ضمانات إمدادات الوقود النووي الملزمة قانونيا.
•    التعاون بخصوص معالجة الوقود المستنفد والفضلات الإشعاعية.
•     إقامة شراكة إستراتيجية طويلة الأجل وواسعة النطاق في مجال الطاقة بين إيران والإتحاد الأوروبي وغيره من شركاء على استعداد للتعاون، مع اتخاذ إجراءات وتطبيقات عملية.
بمعنى آخر، فانّ ما يتم التفاوض عليه الآن كان قد تم التفاوض عليها سابقا ولاسيما النقطتين الرابعة والخامسة أعلاه، وتم رفضه أيضا من قبل طهران، فلماذا يتم إعادة إحياؤه الآن؟ وما الذي تغيّر حتى نتوقع أن تقبل إيران به هذه المرّة؟ والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار وفي ظل سياسة كسب الوقت الإيرانية المعروفة، ماذا إن كانت إيرانتراوغ من جديد؟ وماذا إن لم تكن تريد التوصل إلى اتفاق أصلا؟
إذا كانت إيران تريد حقا القبول بذلك العرض ولكنها تنتظر الوقت المناسب الذي تكون فيه في موقع أكثر قوّة مما كانت عليه حينها، فقد فشلت في ذلك. فالوضع الإيراني الحالي وخاصة الداخلي أكثر صعوبة في ظل وجود انشقاق سياسي خطير من المنتظر له أن يستمر بل وينمو على وقع القمع الذي يتعرّض له.
وعلى الصعيد الاجتماعي، هناك تحرك أيضا لطوائف وقوميات مقموعة ومكبوتة ومحرومة للتعبير عن الاستياء من الوضع الذي وصلت اليه في ظل حكومة نجاد وسياساته، وعلى الرغم من أنها لا تطالب بالانفصال عن إيران ومنها مناطق مثل بلوشستان في الشرق وأذربيجان في الشمال والأحواز على الخليج العربي، الاّ أنّ لتحرّكاتها مفاعيل مدمّرة إذا ما تزامنت في وقت واحد، وقد رأينا إحدى تجلّياتها في التفجير الأخير الذي استهدف كبار قادة الحرس الثوري المفترض أنّه صمّام أمان النظام السلطوي في طهران.
على الصعيد الخارجي الدولي، استطاعت ديبلوماسية الرئيس أوباما تصحيح أخطاء بوش الابن في التعامل مع إيران وجمعت الصف الدولي إلى جانبها في محاولة منها للقول أننا نريد التوصل إلى اتفاق مع إيران لكن يبدو أنّ الأخيرة لا تريد ذلك وبالتالي فان جميع الخيارات عندها ستكون مطروحة في ظل التفاهم الدولي والإجماع.
وقد أكّدت الأحداث الأخيرة في إيران أنّ الهم الأوّل بالنسبة إلى رموز النظام هو التمسّك بالسلطة مهما كلّف الثمن، ولذلك يصبح من المستبعد القول بأنّ هذا النظام يعتمد سياسة الانتحار الجماعي في السياسة الخارجية، أو أنه يريد أن يستجلب حربا ضدّه قد تطيح به وبمنظومته التي عمل كثيرا للوصول اليها، وسيعمل ما بوسعه للحفاظ عليها ايضا، وهو ما يفترض منطقيا قيامه بكل ما من شأنه أن يجنّب الآخرين استعمال الخيار العسكري ضده.
ولكن وإذا ما نظرنا جيّدا في أسباب الرفض الإيراني المتكرر لرزمة الحوافز السخيّة جدا كما وصفت من قبل المسؤوليين الدوليين مرارا وتكرارا، فإننا قد نصل إلى استنتاج مفاده أن هذا النظام يخاف من الحوافز بقدر خوفه من الحرب، فالحوافز قد تساعد أيضا على الإطاحة به.
إذ من شان هذه الحوافز أن تفتح إيران والمجتمع الإيراني والاقتصاد الإيراني على الخارج، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار تدريجي للنظام الذي يفضّل دائما أن يكون على الجانب الانعزالي الذي يمكنه السيطرة فيه على المجتمع وإحكام قبضته على النظام. بمعنى آخر قد تتحوّل هذه الحوافز بالنسبة إلى حلقة المرشد الأعلى علي خامنئي من الملالي دائرة السلطة  إلى حصان طروادة، وبذلك تكون مفاعيلها أخطر من القيام بشن هجوم عسكري على إيران.
ويوصلنا التحليل إذا ما كانت قراءتنا هذه واقعية وافتراضاتنا صحيحة، إلى انّ النظام الإيراني لن يتخلى عن الوصول إلى سلاح نووي مهما كلّف الأمر، وان اقتضى ذلك منه أن يظهر انّه مستعد للحرب تارة وللتفاوض تارة أخرى. وبطبيعة الحال، فان لم يتم التصرف بشكل سريع وحاسم في مواجهة هذا التلاعب الإيراني والمراوغة الدائمة فإننا سنكون أمام خيارات قاسية جدا خاصّة بالنسبة للمنطقة العربية.
© منبر الحرية، 02 دجنبر/كانون الأول2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018