peshwazarabic16 نوفمبر، 20100

إن الحديث عن الوحدة في ملفات التاريخ اليمن وضميره تحمل معناً واحداً، أن مكنونات اليمن عندما تتضافر وتتآزر حضائره وقبائله وأماكنه  فإن يمناً آخر شهد له القرآن “وجئتك من سبأ بنبأ يقين”، وأذعنت له حضائر أُخَرْ “أهم خيرٌ أم قوم تبع”، هذا اليمن، الذي شهدت له حتى حضارات أخرى في العالم القديم،  يبقى هو الاستثناء…
الوحدة في التاريخ القديم
اليمن السعيد أو “أورابيا فليكس” حسب المؤرخين اليونان والرومان، يشمل جزئيه الجنوبي والشمالي وسلطنة عمان والمخلاف السليماني فتكون حدوده من مشارف مكة إلى إقليم ظفار جنوباً.
وهو ذاته من تناسلت بقيه حضاراته القديمة من لدن سبأ، ولذلك فدولة سبأ  تعتبر الدولة المحورية في مسيرة دول أخرى حتى القرن الخامس قبل الميلاد، ويعود أكبر تجلي للوحدة في عصر  سبأ في عهد أعظم ملوكها وهو “كرب إيل وتر بن ذمار” الذي تمكن من توحيد اليمن وسجلت انتصاراته وجهوده العمرانية على نقش سمي “نقش النصر”، رغم أن أول حكام سبأ يقال له قريب الوطر. ولذلك التوحد علاقة بألقاب الحكام في سبأ فمن لقب بالملك فهو من يحكم شعبا واحدا أو قبيلة واحدة  بينما المكرب فهو المجمع أو الموحد لعدة شعوب تحت حكمه، ويؤكد نقش بناء معبد بيت أكينو في أشور أن كرب آل وتار بن ذمار هو أعظم  ملوك سبأ حيث ذكر النقش أنه بعث بهدية إلى الملك الآشوري سنحريب، حوالي 685 ق.م، ويرَجَحْ أنه نفسه صاحب نقش صرواح الكبير الذي يفيد أن الملك كرب آل وتار قام بعدة حملات عسكرية داخلية خلال فترة حكمه يهدف منها إلى تثبيت السلطة المركزية لدولته وتأديب من خرج عنه، ويذكر النقش أنه كافأ الجهات التي بقت موالية مثل حضرموت وقتبان.
وكون الوحدة هي القاعدة فإن الدول التي وجدت إثر ضعف الدولة السبأية والتي كانت أحياناً تدور في فلك القرب والبعد من الدولة الأم، وفي عهد الدولة الحميرية التي ورثت مركزية سبأ حدث اندماج بين الكيانان الرئيسيان وهما “كتلة سبأ كهلان” وكتلة “حمير بنو ذي ريدان” وبالتالي ظهر اللقب الملكي “ملك سبأ وذو ريدان” في القرن الثاني قبل الميلاد ولعل أول من حمل هذا اللقب “الشرح يحصب الأول”، ولاحقاً تمكن “حميريو ذو ريدان” من  توحيد اليمن بأكملها تحت سيطرتهم بحلول القرن الثالث الميلادي في عهد “شمر يهرعش الثاني” الذي تلقب “بملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنه”، ويذكر نقش يمني أن عامل الملك (شَمّر) في صعدة ريمان ذو حزفر اشترك في حملات وجهها الملك كانت تصل إلى الحيرة، ويشهد نقش عامل شمر يهرعش على أن كل شبه الجزيرة العربية كانت امتدادا حيويا للدولة اليمنية،  بينما في عهد “أبي كرب أسعد بن ملكي كرب يهأمن” المشهور بأسعد الكامل أو التبع الأعظم، الذي حكم في القرن الرابع للميلاد وتلقب “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنة وأعرابهم طودا وتهامة”، أما الطود فهو الحجاز كما يذكر ابن المجاور وتهامة هي كل الساحل الشرقي للبحر الأحمر، أي أن جميع الأعراب وهم القبائل البدوية في المشرق والحجاز وتهامة خضعت لحكمه، حتى أن سلطة وصلت إلى اتحاد كندة في وسط الجزيرة كمملكة تابعة له، وهناك من المؤرخين يرى أن إضافة ملك الأعراب في الطود والتهائم إلى لقبه، تعني أنه أصبح ملكا للجزيرة العربية كلها، وفي وادي مأسل الجُمْح بنجد قرب الّدّاودمي، عثر على نقش باسم أبى كرب أسعد، يذكر أنه حل غازيا مع ابنه حسّان في أرض معد وذلك يوافق ما ورد في كتب التاريخ والأخبار, وتذكر الأخبار أن اليمنيون تركوا الأصنام واعتنقوا اليهودية والمسيحية بعد اعتناقه لليهودية، ويرى أولو العلم أن أسعد الكامل هو المشار إليه بالقران “أهم خير أم قوم تبع”   وقد ارتبط بذكر هذا الملك مايشبه ملحمة تاريخية تمجد أعماله وفتوحاته، وتنسب إليه عددا من المدن التاريخية مثل ظفار وبينون وغيمان وخمر وغيرها، ولا زالت تنسب إليه الكثير من بقايا الآثار.
وعندما تتحقق الوحدة تنعكس آثارها التنموية فتزدهر الزراعة والتجارة العربية اليمنية وتقام منشآت عمرانية كبرى من طرق وسدود وشبكات ري ومعابد وقصور وتزدهر التجارة في ما كان يعرف بطريق البخور البري، ثم لاحقاً في الطرق التجارية البحرية، وما ارتبط بها من موانئ يمنية على بحر العرب والبحر الأحمر، والشيء الواضح في انه بحسب قوة وضعف السلطة المركزية وانسجام مكوناتها الداخلية يكون امتداد السلطة إلى الجزيرة العربية،  بينما في أواخر الدولة الحميرية أوصل والاختلاف اليمن إلى أن تفرق بين الأقيال والأذواء بعد سقوطها إثر الاحتلال الحبشي عام 525 ميلادية في عهد حكم يوسف ذو نواس من عائلة ذي يزن الحميرية، وبالتالي ذهبت ريحها.
الوحدة في تاريخ اليمن الوسيط
في ظل الإسلام كان اليمن جزءاً من الخلافة الإسلامية بانقساماتها وصراعاتها وما تلاها أو جاء خلالها من دول تحتفظ بالولاء الرمزي لدولة الخلافة، غير أن الإستقرار المتضمن مع توحيد اليمن تفيأته دولة بني رسول حيث أن مؤسسها الملك المنصور دانت لحكمه جميع جهات اليمن بما فيها القبائل والأئمة الزيدية، على عكس من سبقه، وبلغ ملوكها خمسة عشر تخلل دولتهم تمردات قوى مختلفة، أثمرت إنتهاء الدولة في 858هـ/1454م على أيدي الطاهريين بعد قرنين ونصف من الحكم.
حينها كانت الإمبراطورية العثمانية تكتسح العالم الإسلامي، وكان تطلعها لليمن تصنعه حملتها الأولى عام 945هـ التي قضت على طموحات الإمام شرف الدين الذي إتخذ المماليك مطية للقضاء على الطاهرين ومن ثم وراثة دولتهم بالإنتهاء من المماليك أنفسهم الذي أطلق عليهم وقتها “غزاة كرماء”، لكن بعد مايقارب مائة عام خرج العثمانيون بعد فترات من الإقتتال آخرها في زمن محمد إبن الإمام القاسم بن الهادي في 1045هـ/1635م، وبسبب تبوء الأئمة الزيديون للإقتتال مع العثمانيين تأسست دولة الأئمة الأولى (القاسمية) التي  استمرت 325 عاماً، وفيها  تمكن أحد أئمتها وهو المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم من توحيد اليمن بكامل مخاليفه التاريخية تحت حكمه وحتى مشارف مكة لفترة تزيد على الثلاثين عاماً، وبذلك تصير في تاريخها الوسيط قد وحدت مخاليفها تحت سلطة مركزية سبقتها، وحدة في زمن الرسوليين والصليحيين.
وبسبب تقاتل الأئمة واستشراء الظلم، من جهة وعودة الحملة العثمانية الثانية، ورغبة محمد علي باشا لتوحيد العرب تحت حكمه فعندما ضم الدولة السعودية الأولى وبدء تطلعه لضم اليمن احتل البريطانيون عدن لتأمين  مصالحهم التجارية وتطويقه ثانياً، الأمر الذي كان يؤدي إلى تفرق مخاليف اليمن،  فكان العثمانيون في الشمال على حساب دولة الأئمة التي أكلها الضعف والتصارع والبريطانيون في الجنوب.
وفي ظروف عالمية فرضتها نتائج الحرب العالمية الأولى من سقوط الرجل المريض ميتاً عام 1918م ومن ثم انسحابه عن اليمن، كان المخلاف العماني يتجه للإنسلاخ عن اليمن مسبقاً، إلا أن المؤسف حدوث تقسيم اليمن لأول مرة في تاريخه وفق صياغ قانون وتشريعي معترفاً به في القانون الدولي، بدءا ذلك بين عامي 1903، 1904م ليُضمن  لاحقاً في اتفاقية 1914م بوجود شطرين  منفصلين اقتضته مصلحة دولتان إحداهما دخيلة والأخرى محتلة، ولذا فإن لهذا التأسيس عاملاً جوهرياً في ذهاب المخلاف السليماني عن اليمن التاريخية.
الوحدة في تاريخ اليمن الحديث
بقي من اليمن التاريخي شطران شمالي ذو نظام جمهوري وجنوبي ذو نظام اشتراكي، ولذا فهما مختلفان فكرياً مما يزيد ذلك إلى شقة الانشطار الحدودي، لكن حلم اليمن الواحد ظل حاضراً رغم حروب حدودية بين الطرفين عامي 1972 و 1979م، حيث أن الجهود صوب الوحدة بمجهودات عربية كانت تتناهي صوب تقارب وحدوي، وأبرز خطوات هذه الفترة السبعينية، اتفاقية القاهرة في 28 أكتوبر 1972م، وثانيها بيان طرابلس الموقع عليه في 26 نوفمبر 1972م بين رئيسي البلدين لأجل وسائل تحقيق الوحدة، وثالثها كانت قمة الجزائر بين رئيسي البلدين في 4 سبتمبر 1973م والتي  شكلت أول مجلس مشترك للطرفين، وأخيراً لقاء الكويت الذي وقعت عليه في 30 مارس 1979م، إثر حرب ذات العام.
وبالفعل بعد ظهور الجدية في مضمار تحقيق الوحدة بعد لقاءات وحدوية بين بين الرئيسين علي عبدالله صالح وعلي ناصر محمد مع ظروف داخلية مناسبة لكنها تجمدت عام 86م إثر أحداث 13 يناير في الجنوب، التي أنتجت رئاسة للجنوب لعلي سالم البيض.
لكن عجلة التوحد بدأت بالتحرك بدءاً من العام 87م خاصة وأن ظروفاً دولية وداخلية خاصة مع تباشير انحسار الاشتراكية التي جعلت رغبة الطرفين نحو الوحدة، تتجلي سريعاً بلقاء عدن التاريخي في 30 نوفمبر 1989م، حيث جرى التوقيع على اتفاقية إعادة الوحدة، وريثما جاء الثاني والعشرين من مايو 90م تم الإعلان رسمياً عن دولة الوحدة، بعد مائة  وخمسين عاماً على تفرق مخاليف اليمن وحضائره مع الفارق بين هذا التفرق وبين تصدع سد مأرب الذي أفضى فقط تفرق أيادي سبأ،  وبين الفارقين بون كبير.
© منبر الحرية، 08 سبتمبر/أيلول 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018