مخاطر المغالاة في سياسة الحد من الاحتباس الحراري

peshwazarabic16 نوفمبر، 20100

أصبحت الفكرة التي مفادها أن العالم سيتعرض بصورة متزايدة لأعاصير و عواصف و فيضانات مهلكة نتيجة لزيادة معدلات الإنبعاث الحراري العالمي فكرة مترسخة في أذهان الرأي العام، تعززها في ذلك برامج سينمائية مثل فيلم آل غور “حقيقة غير مريحة” و قصص الرعب التي تطلقها جماعات الخضر. و لكن المعلومات المتراكمة على مدى قرن من الزمن بشأن الوفيات و الأضرار الناجمة عن قسوة المناخ و الحوادث المرتبطة بالطقس تتناقض مع هذه المزاعم. الأسوأ من ذلك هو أن الأفكار المقترحة لخفض معدلات الحرارة العالمية تمثل وصفة لكارثة حقيقية.
إن إمكانية التوصل إلى إتفاقية حول المناخ (والتي سيتم التفاوض عليها في وقت لاحق هذا العام في كوبنهاغن) تبشر بالتزام  البلدان الغنية اليوم بتحويل أجزاء كبيرة من إلتزاماتها بخفض الإنبعاثات الحرارية إلى البلدان النامية.  و تتمسك البلدان النامية من جهتها بإنشاء صندوقٍ برأسمال يبلغ عدة ملايين من الدولارات تموله البلدان المتقدمة لمساعدتها على تكييف أوضاعها بهذا الخصوص. و تستند وجهة النظر هذه، التي تحظى بتأييد العديد من سكان البلدان المتقدمه بدافع من إحساسهم بالذنب، إلى أن هذه الأموال تعتبر ديناً مستحقاً للبلدان النامية لأن البلدان المتقدمة هي المسؤولة عن معظم الإنبعاثات الحرارية (غازات الدفيئة) في الغلاف الجوي.
و أدت الآمالُ بالاستحواذ على حصةٍ من هذه المبالغ الكبيرة إلى تشجيع وكالاتٍ إنتهازية تابعة للأمم المتحدة إلى الانضمام إلى قائمة المنذرين بالتغيير المناخي. و لكن تصرفاً كهذا من جانب هذه الوكالات يحطُّ من قيمة المهمات التي تقومُ بها: فهو يجعلُها  تنخرط في قضية التغير المناخي علمنا بأنها ستعملُ على التخفيف من حدةِ مشاكلَ عالمية حقيقية إذا ما نفذت المهام المنوطة إليها على  أكمل وجه. في حين أن تخفيف حدة التغير المناخي لا يؤدي سوى إلى الحد من مشكلةٍ إفتراضية. ما يحدث في واقع الأمر هو أن هذه الوكالات تضحي بعصفور حقيقي في اليد مقابل عصفور على الشجرة – عصفورٌٍ قد لا يكون له وجودٌ حتى على الشجرة.
لنتوقف قليلا عند الاجتماع الذي عقده البرنامج العالمي للأمم المتحدة لتقليل مخاطر الكوارث في جنيف في الأسبوع الماضي. أكد جونسون هولمز، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية و رئيس الإستراتيجية الدولية للأمم المتحدة لتقليل المخاطر في الخطاب الافتتاحي  “بأننا نعرف بأن التغيرات المناخية ستؤدي إلى الزيادة في تردد و حدة مخاطر الطقس و المناخ.”
و لكن إذا كانت تغيرات المناخ قد زادت حقاً في تردد و حدة مخاطر الطقس و المناخ، فإنه ليس هناك من دليل على ذلك يستند إلى البيانات الطويلة الأمد بشأن الوفيات الناجمة عن كوارث كهذه. بل إن المعدل العالمي السنوي للوفيات الناجمة عن حالات كهذه قد إنخفض في الواقع بنسبة 95% منذ عشرينات القرن الماضي بالرغم من تضاعف سكان العالم ثلاث مرات منذ تلك الفترة. و قد إنخفضت الوفيات التي تسببت بها موجات الجفاف، و التي تشكل 59% من حصيلة الوفيات الناجمة عن سوء المناخ و الطقس منذ عام 1900 حتى عام 2006، بنسبة 99,9% منذ عشرينات القرن الماضي. أما الوفيات الناجمة عن الفيضانات، و التي تشكل 35%  أخرى من أرقام الفترة بين 1900 – 2006 فقد إنخفضت بنسبة 99%.
بيد أن السيد هولمز كان على حق عندما أكد خلال الاجتماع بأن: “الكوارث تؤدي إلى الفقر و الفقر يؤدي إلى كوارث أشد سوءاً.”. التركيزُ على الحد من التغيرات المناخية، و الذي تهلل له منظمات الأمم المتحدة، سيكون لسوء الحظ ذو تكلفة باهظة على البلدان النامية، حتى لو تم، خلافاً للبلدان المتقدمة، إعفاؤها من خفض انبعاث غازات الدفيئة.
السبب في ذلك هو أن البلدان النامية في عالم اليوم المعولم تستمد جزءاً كبيراً من مداخليها عن طريق التجارة و السياحة والتحويلات المالية و الاستثمارات المباشرة من البلدان المتقدمة. و لذلك فإن أي لدغة إقتصادية لهذه الأخيرة ستشعر بها البلدان النامية.
و لذلك فإن إفقار البلدان الغنية سيؤدي أيضاً إلى إفقارٍ إضافي للبلدان الفقيرة التي ليست لها القدرة على تحمل نتائج كهذه. ونختم بالتذكير بمقولة السيد هولمز أن “الفقر يؤدي إلى الكوارث الأشد سوءاً”.
*الدكتور إنديور إم. غوكلاني هو مؤلف “الوفيات و معدلات الوفيات بسبب قسوة الطقس: مؤشرات أميركية و عالمية، 1900-2006” متخصص في شؤون تغيرات الطقس و التنمية الاقتصادية و التطورات التكنولوجية و التكنولوجيا الحيوية و التنمية المستدامة.
© منبر الحرية، 26 يونيو/حزيران 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018