يتحدثون ويحللون.. فماذا عن الحقيقة يا ترى؟

نبيل علي صالح16 نوفمبر، 20100

يتحدثون ويقولون –وهم في ذلك مستمرون منذ عقود وعقود- بأن أمريكا الامبريالية هي سبب بلاء الأمم والشعوب، وأن الغرب استعماري حقود ذو نزعة افتراسية في القيمة والمبدأ، وهو قد دمر وقتل أجمل ما في حضاراتنا الشرقية من قيم ومبادئ وأخلاق، أي أنه هو المسؤول الأول والأخير عن كل تلك المشاهد المأساوية التي نراها أمامنا والتي يختصرها هذا الخراب الروحي والمادي الذي يلف مجتمعاتنا ويضرب ساحاتنا ومواقعنا العربية..
ويقولون لنا –وهم لا زالوا يقولون ويؤكدون ويحلفون ويقسمون- بأن إسرائيل كيان محتل غاصب دموي، وهو كيان وهمي ومصطنع يجب أن يزول ويرمى في البحر بأيدي أبناء ومجاهدي العروبة والإسلام.. ويقولون بأن الصهيونية والماسونية تتحكمان بالحضارات والشعوب الإنسانية منذ فجر التاريخ الذي وطأت على أرضه أقدام أبينا آدم وأمنا حواء بعد خروجهما الميمون من الجنة السماوية، ويتحدثون عن أن التعاليم التلمودية والتخيلات التوراتية المؤسطرة هي التي تتحكم بعقول وسلوكيات دول وسياسيين وأحزاب كبرى في العالم، وتؤثر في وعي كل تلك القوى الامبريالية والغربية والرجعية والمتأمركة والمتصهينة عربية كانت أم غير عربية.
ويبشرونك ويقولون بأن زوال إسرائيل من الوجود –ومعها حاضنها وراعيها الامبريالي- قادم لا محالة، وهو أمر تكويني اعتقادي إلهي (ناموس كوني) سيأتي في مقبل الأيام على أيادي وسواعد جنود الله في الأرض ممن أخلصوا لله حق إخلاصه، وعبدوه حق عبادته، وجعلوه نصب عيونهم وعقولهم وأفئدتهم ليلاً ونهاراً..
هكذا قالوا ويقولون ويحللون ويفككون ويركبون منذ عقود وعقود، ولم يتغير شيء في الواقع العملي المعاش، أو على صعيد وعي ضرورات وجودنا وتطور مجتمعاتنا، حيث أننا ما نزال نعاني من الاستبداد والقهر والفقر والحرمان والتخلف وإعادة اجترار ثقافة التخلف، كما ولا تزال تسيطر علينا مفاهيم التدين الشعبي بمفرداته ومفاهيمه العصبوية الغيبية التي تربط الفرد بالمطلق وتوعده بالجنة، وتحثه على رفض واقعه القائم ليعيش حالة الانفصام النفسي بين ما يفكر فيه ويعتقد من جهة، وبين ما هو قائم بين ظهرانيه من جهة ثانية..
ولا شك أن أولئك المفكرين والسياسيين محقون في كثير مما يقولونه ويفكرون فيه، لأن الواقع يشهد على ذلك، حيث أنه (أي الواقع) مصنوع لدى مراكز القرار الدولي هنا وهناك… ولكن الحقيقة المرة الساطعة مثل نور الشمس في كبد السماء، والسؤال الكبير الذي يتهرب منه أتباع تلك العقلية الدوغمائية والوعي الوثوقي الزائف هو: ماذا فعلتم وقدمتم من عمل لمواجهة كل مقتضيات ونتائج هذه التحديات الخطيرة التي سنسلم جدلاً بحقيقة وجودها كلها؟!.. هل استطعتم بناء إنسان عربي واعي واثق منتج فاعل شجاع غير خاضع وغير ذليل، يفكر بعقله وليس بقلبه؟! وهل قمتم ببناء مجتمعات عربية قوية قادرة على التأسيس الصحيح للتعامل مع الآخر…
أين يكمن الخلل إذاً؟!!.. في الذات، في الفكر، أم في الواقع والممارسات السياسية والاقتصادية للنخب العربية الاستبداية التي لا تزال مسيطرة على اجتماعنا الديني والسياسي العربي والإسلامي منذ تحويل معاوية الخلافة إلى ملك عضوض (حيث المقولة الشهيرة لأحد عماله على المدينة: أمير المؤمنين هذا “أشار إلى معاوية”، ومن بعده هذا “وأشار إلى ابنه يزيد” فمن أبى فهذا، “وأشار إلى السيف الذي يحمله”)، وما رافقها من حروب وفتن واضطرابات وأحقاد وأزمات ودماء ودموع.. إنه سؤال إشكالي يكاد يكون –على صعيدنا العربي- سؤالاً وجودياً في العمق والجوهر.. لا يزال المفكرون والنهضويون العرب والمسلمون يجترحون الإجابة عليه منذ عقود طويلة في محاولة منهم لتقديم حلول جدية وعقلانية عملية رصينة لاستنهاض واقعنا المتخلف على كل الوجوه والأصعدة.
وفي إطار محاولاتهم تلك يكاد مثقفونا يجمعون على أن الأزمة القائمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لها جذر ثقافي ومعرفي بامتياز. وهي تعود –بالدرجة الأولى- إلى سيطرة المفاهيم والاعتقادت الدينية البدائية على البنية الثقافية والنفسية السوسيولوجية لأفرادنا ومجتمعاتنا. بحيث باتت مرجعيات السلف وفقهاء الوعظ المسجدي العتيق هي المتحكمة والمهيمنة على عقول وأفئدة الناس، وهي صاحبة الحق والصلاحية المعتمدة لتصدير فتاوى الحق والباطل ونشرها هنا وهناك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بمعرفة أو بدون معرفة.
وقد كان من الطبيعي جداً أن تنمو تلك العقليات وتكبر تلك المرجعيات العصبوية في داخل واقعنا العربي، وذلك بسبب الغياب أو التغييب القسري لأية حركة نهوض عقلية تنويرية حقيقية في عالمنا العربي والإسلامي، وأيضاً بسبب الدعم الكبير المعنوي والمادي الذي تتلقاه تلك المرجعيات من كثير من السلطات العربية الحاكمة، ومحدثي النعمة (حيتان الاقتصاد الجدد) ممن أثروا بصورة غير شرعية على حساب مصالح المجتمع وحقوق الناس.
من هنا ينبغي التأكيد والإصرار دائماً على أن معادلة التقدم والنهضة المنشودة تبدأ من الداخل الفكري والاجتماعي والسياسي العربي، أي أنها تنطلق من البحث الجدي عن مظاهر الخلل القائمة، وهي قائمة بدايةً في الفكر والثقافة لتنتهي في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
ولهذا نقول بأن شرط التقدم الصحيح كامن في بناء الداخل على أسس متينة وصحيحة من الوعي والمعرفة والتنمية السياسية والاقتصادية للفرد والأمة ككل. لأن المجتمع المريض المثقل بالعلل والأمراض والتشوهات غير قادر على تبني خيار النهضة والسير في طريقها، وتحمل تبعاتها، وهو بذلك قد يتمكن من إحداث خلل ما في معادلة النهضة التي لا تزال الدول المتقدمة التي وضعت الإنسان في موضع القلب من تفكيرها وممارساتها، تمتلك وتقبض على نواصيها بالعلم والعقل.
من هنا نعتقد بأن الفرد المعافى في عقله ووعيه، والمجتمع القوي بحرية أبنائه ونظمهم لأمورهم الداخلية على قاعدة تداول السلطة، وحرية تشكيل الأحزاب، وإطلاق الحريات العامة، وحرية الإعلام والنقد العلمي الموضوعي.. هو الكفيل بتأمين المناخ اللازم لقلب وتغيير المعادلة القائمة حالياً. وما عدا ذلك هو مجرد كلام وتأجيل للملفات، ورمي للمشاكل التي تثيرها إلى قادم الأيام.
لقد أضحى العالم قرية صغيرة، وهو يموج يومياً بمتغيرات هائلة، ونحن نعيش في قلب أحداثه ووقائعه، ولذلك ينبغي على دعاة وأتباع عقلية المواجهة –من النخب الأيديولوجية المغرقة في مفاهيم السحق والمحق والإلغاء والإخصاء- أن تدرك العالم على حقيقته، وكما هو موجود في الخارج، وليس كما تتصوره وتتخيله هي، وتقرأه في الكتب الصفراء القديمة.. صحيح أن المؤامرات قائمة والدسائس تحاك ليلاً ونهاراً، ولكنها جزء لا يتجزأ من سياسات واستراتيجيات كل الدول بما فيها بلداننا العربية التي تزعم العمل بميزان الدين والحق والعدل.. ومعظم –إن لم نقل كل- الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية توزع الأموال هنا وهناك بالمجان، ومن دون مواقف ومصالح متبادلة. فهذه هي حالة السياسة منذ بداية التاريخ، أخذ ورد، خذ وهات وطالب. ولكن السؤال هو: ماذا أنتجنا حتى الآن لنقدم؟!.. وهذا ليس تجريح أو جلد للذات بمقدار ما هو نقد لها، وتحريض على العمل والعلم والمعرفة.
ولذلك على سياسيينا ومفكرينا أن يدركوا بأن عليهم تغيير نظرتهم ووعيهم عن ذواتهم وعن العالم المعاش من حولهم، لأن الرهان معقود هنا على ناصية المعرفة النقدية، في الوعي والإدراك وحسم قضية التغيير المطلوب على صعيد الفكر والذات الحضارية العربية والإسلامية.
© منبر الحرية، 06 يونيو/حزيران 2009

إقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018