peshwazarabic16 نوفمبر، 20100

“تعرض علينا شاشات التلفزة كل يوم صورا عن الدمار في الجانب الفلسطيني. وأنا أتساءل : أين هي الصور التي تظهر عمق المصيبة والرعب في الجانب الإسرائيلي”.
بهذه الكلمات تحدثت رئيسة مجلس اليهود المركزي في ألمانيا شارلوته كنوبلوخ إلى نحو 1500 يهودي اجتمعوا في التاسع من يناير 2009 في ميونخ لدعم إسرائيل في حرب غزة. وهذه الكلمات هي انتقاد واضح لوسائل الإعلام التي غطت القتال لأكثر من ثلاثة أسابيع.
نشاط الأعلام في مناطق الأزمة بشكل عام  مشروط دائما بقدرته على جمع المعلومات وقدرته على النفوذ الى مناطق القتال، وهو ما كان صعبا في حرب غزة الأخيرة.
وأغلب ما كتب في الصحف وما  نقلته شبكات التلفزة والإذاعات ومواقع الإنترنت كان انطباعات ساقها كتاب وصحفيون ألمان بناء على ما وجدوه في متناولهم من معلومات.
فتحت عنوان “إسرائيل تسرق الغاز الفلسطيني” كتب راينر روب بصحيفة “يونغا فيلت” الألمانية اليسارية يقول”إن إسرائيل شنت حملتها العسكرية الدموية الأخيرة على غزة بدافع رئيسي هو وضع يدها والسيطرة الكلية على احتياطيات الغاز الهائلة الموجودة أمام ساحل غزة”، وقد نشرت ترجمة المقال في موقع الجزيرة نت.  ويدرك المرء منذ الوهلة الأولى أن هذه هي مقالة رأي، و هذا الرأي يصدر غالبا بناء على أحكام جاهزة وهي أحكام مبنية على آراء شخصية ومتأثرة إلى حد كبير بنظرية المؤامرة التي تجد لها رواجا في العالم الثالث.
من جانب آخر، علّق مراسل صحيفة “يديعوت احرنوت” في برلين “ايلداد بيك” على ما قالته السيدة شارلوته كنوبلوخ بالقول :
“إن الإعلام الألماني تباين في تناوله لموضوع الحرب في غزة، وما قالته السيدة كنوبلوخ صحيح، وقد لحظنا هذا الأمر في مراحل أخرى من النزاع في الشرق الأوسط، وأعني بذلك الحرب في لبنان وما يسمى بالانتفاضة الثانية، والسبب هو حقيقة أن الأعلام الألماني في الغالب لم يكن يصل إلى مواقع الحدث في غزة، من هنا كان عليهم أن يتوخوا مزيدا من الحذر في الاعتماد على مصادر خبرية فلسطينية، وقد رأينا في مناسبات أخرى من التغطية الصحفية لأحداث الشرق الأوسط  أن الفلسطينيين لم يكونوا مصدرا موثوقا في نقل الحقائق والأرقام، بل أنهم كانوا يوظفون الأعلام لأغراضهم، لذا اكرر القول انه كان على الأعلام الألماني وغيره أن يتوخى الحذر في اعتماد المصادر الفلسطينية. وأعتقد أن المرء يمكن أن يلحظ بوضوح الفرق في التغطية الصحفية في الصحافة الألمانية المكتوبة، فالصحف الليبرالية والمحافظة حافظت على تغطية معتمدة محايدة للحدث، فيما تمادت الصحف الأخرى كصحيفتي ” زود دويتشه” و” برلينر تسايتونغ” وبعض الصحف التي أضعها في صف اليسار والتي تتبنى بشكل دائم خطا مناوئا لإسرائيل، و ذهبت بعيدا في تغطيتها للأحداث الأخيرة في غزة”
واستأنفت السيدة كنوبلوخ في خطابها بميونخ الهجوم على الأعلام الألماني بالقول:
” وما لايعرفه احد في هذا البلد (ألمانيا) أن هناك قتلى في الجانب الإسرائيلي أيضا، والضحايا هم من الجنود ومن المدنيين على حد سواء، وإذا كان عدد الضحايا في إسرائيل محدودا لحد الآن فذلك لأن الدولة اليهودية قد نجحت في وظيفتها التي قامت لأجلها وهي حماية مواطنيها”
وهذا يعني عمليا أن الأعلام الألماني قد فشل في إبراز صورة الحرب في الجانب الإسرائيلي، وهو ما يعتبر خللا مهنيا لا يمكن السكوت عنه في العمل الصحفي. فهل يتفق هذا الرأي مع الرأي العام في إسرائيل؟
أجاب عن هذا السؤال البروفسور ( موشي تسمرمان) أستاذ التأريخ المعاصر في الجامعة العبرية بالقدس: ” الصحف في العادة غير محايدة، فهي تأخذ موقفا مسبقا، أو منحازا من الأحداث، وفي هذا المثال( أي حرب غزة ) لم تكن الصحافة الألمانية استثناء، فمن وجهة نظر الرأي العام الإسرائيلي، فأن الأعلام الألماني كان أكثر حيادا من الصحافة الأسبانية وغيرها. ويمكن للمرء عموما القول بأن نقل أخبار حرب كهذه جاء في الغالب منحازا إلى الطرف الأضعف في المعركة، والطرف الأضعف في هذه الحالة هو الفلسطينيون الذي يسكنون في غزة، من هنا برز الانطباع السائد عن التغطية الإعلامية بشكل عام وليس الأعلام الألماني حصرا، فالجميع يرى أن التغطية غير عادلة، منحازة إلى سكان غزة ومضادة لدولة إسرائيل”.
الأعلام الألماني، مثله مثل الأعلام في سائر العالم الحر، لا يتبنى خطابا موحدا في تناوله لأي موضوع، والدولة الألمانية لا تملي على وسائل الأعلام لغتها كما تفعل الدول الشمولية التي تفرض لغة الأعلام الواحد على الصحف والقنوات الأخرى. من هنا فأن موقف الأعلام تباين تبعا لتوجهات الكتاب والصحف، فالكتّاب ذوي النزعة اليسارية تبنوا وجهة نظر مدافعة عن سكان غزة معتبرين الحرب القائمة بين إسرائيل وبين حركة حماس التي تحكم غزة حربا على غزة وأهلها،من هنا تقرأ في عناوينهم عبارة ( الحرب على غزة). مراسل صحيفة “يديعوت احرنوت” في برلين “ايلداد بيك” يعرض وجهة نظر تحليلية عن هؤلاء:
” في أوروبا نعاني مشكلة جيل 68،وهو جيل حاضر في الصحافة والجامعات والسياسة وغيرها، وهم أناس يسعون إلى فرض رؤياهم وتصوراتهم عن الأشياء على من حولهم بطريقة غير ديمقراطية، واعتقد أن هذا يلاحظ أيضا بوضوح في الأعلام الأوروبي عموما، لكن هذه المشكلة تظهر بشكل أكثر حدة في اسبانيا، انكلترا، وأيرلندا إلى حد ما، علاوة على دول اسكندنافيا، ويمكنك أن تحس بتأثيرها واضحا في ألمانيا أيضا ولكنه ليس بقوة تأثيره في الدول التي أشرت إليها”
في المقابل، تبنّى كتاب اليمين والمحافظون موقفا آخرا، معتبرين أن الحرب في غزة هي قتال بين الجيش الإسرائيلي وميلشيا حماس التي ألغت اتفاقية الهدنة وبدأت تضرب مدن وسكان إسرائيل بالصواريخ والقنابل..وهكذا فقد اعتبروا ما يجري صراعا بين قوتين وليس هجوما أحادي الجانب كما يميل كتاب اليسار إلى تصويره، وفي وسط الصراع حوصر السكان الأبرياء. لذا فقد حرص هؤلاء الصحفيون والكتّاب على استخدام مصطلح ( الحرب في غزة) لوصف القتال.
© منبر الحرية، 19 مارس 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018