مشكلة القرصنة البحرية في خليج عدن والمحيط الهندي: ما الذي يجب فعله؟ (الجزء الأول)

peshwazarabic16 نوفمبر، 20100

القراصنة قادمون”! صرخة دوّت مؤخراً وأخذت تترد بقوة، مُكتسبةً طابعاً طناناً، ليس فقط في وسائل الإعلام والأقنية الإخبارية المختلفة حول العالم، وإنما تكاد، بالنظر إلى مضامينها الأمنية والإستراتيجية المهمة، تقضّ مضاجع صُنّاع السياسات ومسئولي الأمن في منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر.
فعلى امتداد السواحل الصومالية في المحيط الهندي وخليج عدن، أخذت موجة متزايدة ومتسارعة من أعمال وأنشطة القرصنة في تهديد خطوط الملاحة العالمية وسلامة الأمن البحري بالمنطقة على نحوٍ غير مسبوق، وبانتهاء شهر تشرين الأول/ أكتوبر الفائت تم تسجيل أكثر من 80 هجوماً تعرضت له السفن التجارية وسفن الاصطياد وناقلات النفط الأجنبية، العابرة لخطوط الملاحة الدولية في المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، على أيدي القراصنة الصوماليين، الأمر الذي حدا بالمكتب البحري الدولي (IMB) إلى تصنيف هذه المياه بأنها “أخطر منطقة شحن بحرية” في العالم، مُتخطية بذلك كل من إندونيسيا ونيجيريا، اللتين كانتا في الصدارة.
وفي ضوء إدراك دول المنطقة المتزايد بخطورة هذه الظاهرة الإجرامية، اتخذت بعضها وفي مقدمتها اليمن، التي تطل على خليج عدن وبحر العرب، العديد من الاجراءات والتدابير العاجلة للحدّ من أنشطة القرصنة في خليج عدن وباب المندب. فبدأت البحرية اليمنية بتكثيف وجودها ودورياتها الأمنية في المياه الإقليمية، ونشرت مصلحة خفر السواحل نحو ألف جندي وعدداً من الزوارق الحربية المجهزة في خليج عدن وباب المندب، وفي اتجاه موازٍ بدأت في إجراء عمليات تنسيق مع القوات المشتركة للقرن الأفريقي وماليزيا واليابان بهدف إنشاء مركز إقليمي لمكافحة القرصنة، وتعزيز جهود حماية الطريق الملاحي الدولي المار عبر خليج عدن.
على أن الصحوة المتأخرة هذه، في النتيجة، قد لا تُجدي نفعاً مع “شياطين البحر” الجُدد من الصوماليين، وبرغم أهميتها فإن تأثيرها سيظل محدوداًً. ويزداد الأمر تعقيداً إذا علمنا أن هذه العصابات تقوم بأعمال القرصنة وهي تتمتع بحصانة ولا تخشى الملاحقة؛ فالصومال تملك أطول ساحل في أفريقيا، وعلى مسافة قريبة من أهم خطوط الملاحة البحرية، ولكنها تفتقد لسلاح البحرية أو خفر السواحل، كما أن الحكومة الصومالية الانتقالية تزداد ضعفاً يوماً بعد يوم، وهي غير قادرة على تحمل هذه الأعباء.
وفي ضوء المعطيات المذكورة، أصبح التفكير بإستراتيجية أكثر شمولاً وفعاليةً لمكافحة القرصنة البحرية، تشترك دول الإقليم المشاطئة لخليج عدن والقرن الأفريقي في صياغتها مع المجتمع الدولي، أمراً ملحّاً وذا أهمية كبرى.
[1] ضرورة الاستمرار في التشديد على ضرورة حلّ المشكلة الصومالية حلاً جذرياً، وعدم التواني في الانخراط في أي جهود إقليمية أو دولية تهدف إلى بلورة مثل هذا الحل.
إن إحدى الحقائق التي لا يمكن تجاوزها في أي إستراتيجية إقليمية أو دولية تهدف إلى إنهاء خطر القرصنة قبالة السواحل الصومالية، أن هذه الظاهرة تبقى، وستستمر – إن قُيّض لها الاستمرار -، واحدة من النتائج المباشرة لانهيار الدولة الصومالية وإحدى تجلياتها الرئيسية. وتجاوز هذه الحقيقة الجوهرية لا يعد انتكاسة في التفكير الإستراتيجي وحسب بل وفي التدبير السياسي والأمني أيضاً.
لقد نشطت عمليات القرصنة البحرية بخليج عدن والبحر العربي والمحيط الهندي في الأساس بسبب القلاقل الداخلية التي تشهدها الصومال‏، حيث تطل السواحل الصومالية التى يبلغ طولها 3700 كيلومتر وهى واحدة من أطول السواحل فى العالم، على ممرات مائية إستراتيجية تربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي‏، مما جعل السفن التجارية وسفن الصيد التي تمرّ بها على مدى السنوات الأخيرة عُرضة لهجمات القراصنة، وبدلاً من أن تكون سواحل الصومال بمثابة وسيلة مضمونة للحصول على مساعدات دولية وإغاثية في بلدٍ دمرته تماماً الحرب الأهلية التي اندلعت عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع محمد سياد بري سنة 1991، فإن المساعدات الغذائية الضرورية تكاد تتوقف تحت تأثير الضربات المتوالية للقراصنة، الأمر الذي فاقم من حدة الأزمة الإنسانية الخطيرة في هذا البلد المنكوب.
وبطبيعة الحال، فإن الأمور لن تتحسن ما لم يحصل تغيير نحو الأفضل في الصومال نفسها، وهذا الأمر لن يتأتى إلا من خلال تسوية سياسية شاملة تُنهي الحرب الأهلية المستمرة في هذا البلد. ومن المتوقع أن تركز الأمم المتحدة بصورة أكثر فاعلية في الأيام المقبلة على تحقيق المصالحة الصومالية لمواجهة القرصنة البحرية التي تستفيد من غياب حكومة مركزية قوية هناك‏.‏ وإذا كانت بعض دول الإقليم كاليمن وجيبوتي ومصر قد حرصت على تأييد مساعٍ كهذه، من منطلق إدراكها أن الحل الجذري لظاهرة القراصنة الصوماليين، يكمُن في تدخلٍ آخر للمجتمع الدولي ما انفكت هذه الدول وغيرها تدعو إليه “للأخذ بيد الحكومة الصومالية الانتقالية من أجل بناء الدولة الصومالية، وحتى لا يكون الصومال وكراً أو محطة أخرى مثل أفغانستان لتصدير الإرهاب”؛ فإنه يجب عليها، والحالة هذه، الاستمرار في التشديد على ضرورة حلّ المشكلة الصومالية حلاً جذرياً ومتوازناً يرضي القوى المحلية الرئيسية، في جميع المحافل الدولية بما فيها تلك المخصصة لمناقشة التحديات الأمنية الراهنة وطبيعتها المتغيرة، والانخراط في أي جهود إقليمية أو دولية تهدف إلى بلورة مثل هذا الحل الذي بات تحقيقه اليوم أكثر ضرورة وحيوية من أي وقتٍ مضى.

[2]  ضرورة الدعوة إلى (والمساهمة في) تأسيس نظام أمني بحري جماعي في منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، يبدأ بقضية القرصنة البحرية ولا يقف عندها بل يشمل مختلف القضايا والهواجس الأمنية المشتركة.
لقد ظلت قضية الأمن في منطقة جنوب البحر الأحمر وتأمين المياه المشاطئة للساحل الأفريقي هاجساً للعديد من دول المنطقة طوال السنوات الماضية، خاصة بعد دخول مُعطى الإرهاب في المعادلة الأمنية الإقليمية، واستمرار دوامة العنف في منطقة القرن الأفريقي، ومحدودية قدرات كثير من دول المنطقة على تأمين شريطها الساحلي، إلا أنه، وعلى الرغم من ذلك، لم تتمكن هذه الدول حتى اليوم من بلورة صيغة مؤسسية مناسبة للتعاون الأمني فيما بينها تؤدي في النهاية إلى تأسيس نظام أمني بحري جماعي بينها.
على أن مشكلة تفاقم عمليات القرصنة البحرية في خليج عدن وباب المندب والمحيط الهندي أظهرت، وبكل وضوح، حاجة الدول المُشاطِئة الشديدة والمتزايدة (بما فيها الدول المطلة على البحر الأحمر) إلى تأسيس نظام للتعاون الأمني البحري الجماعي في المنطقة. وإذا كان من المهم اليوم أن تركز هذه البلدان على تطوير ترتيب جماعي للتعاون في مجموعة من المشروعات والقضايا الأمنية البحرية ومكافحة الإرهاب الإقليمي، بحيث لا يقتصر على قضية أمنية بعينها (كقضية القرصنة)، وإنما تنطلق منها وتؤسس عليها.
وهذه الخطوة الأوسع، متى تتحقق، ستُشكل نقطة البداية الصحيحة لبلورة إجراءات لبناء الثقة بين دول المنطقة تعود بالنفع أيضاً حتى على أطراف دولية عديدة، نظراً إلى الأهمية الأمنية والاقتصادية التي تتمتع بها هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم. ولئن دأب بعض المحللين على التشكيك في جدوى إجراءات بناء الثقة كتدبيرٍ مُستدام أو فعّال بدعوى أنها مجرد أداة لإدارة الأزمات وليس لحلّها، إلا أنها أثبتت نجاحها في الغالب كأداة عملية مهمة لتطوير التعاون الأمني البحري بين الدول. فتطبيق إجراءات بناء الثقة في مجال التعاون البحري كوسيلة لحل الخلافات والنزاعات ومنع الحوادث البحرية ذات التداعيات الخطيرة، فضلاً عن معالجة الهواجس الأمنية المتعلقة بعمليات البحث والإنقاذ وحماية البيئة البحرية ومراقبة صيد الأسماك بطريقة غير مشروعة، أثمر بالفعل منافع جمّة على نطاق واسع.
والحقيقة أن الحاجة لتطوير نظام أمني بحري جماعي في منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر (اللتين تشكلان في الواقع منطقة أمنية عضوية واحدة)، تجد مسوغاتها من خلال ثلاثة أسباب رئيسية:
أ. الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة.
ب. عدم استقرار المنطقة وانكشافها المتواصل إستراتيجيا وأمنياً.
ج. غياب أيٍّ من أنواع الحوار أو المبادرات الإقليمية الفاعلة في مجال الأمن البحري.
وعلى الرغم من أن التنفيذ الناجح والامتثال المنظم للتدابير الخاصة بتعزيز الأمن البحري ظل مُكلفاً لغالبية دول العالم، وذلك بسبب ضعف العامل الدولي المشترك الخاص بجمع وتقييم وتبادل المعلومات على نحو مبكر، ناهيك عن غياب مستويات التنسيق الضرورية المرتبطة بتزويد السفن العالمية بالمعلومات المتعلقة بالوضع الأمني، وذلك وفقاً لاتفاقية “سلامة الأرواح في البحار” (SOLAS) و”المدونة الدولية لأمن السفن والمرافئ” (ISPS)، فإن على دول المنطقة، لاسيما تلك المتضررة من تفاقم مشكلة القرصنة في الصومال، استغلال الظروف القائمة وحالة الهلع الإقليمي والدولي من خطر القرصنة وتهديدها المتفاقم لخطوط الملاحة البحرية الدولية قبالة السواحل الصومالية، ومن ثمّ العمل بشكل دءوب على تحفيز جميع دول الإقليم، ودفعها باتجاه إقامة نظام إقليمي شامل للتعاون البحري يبدأ بقضية القرصنة البحرية ولا يقف عندها بل يشمل مختلف القضايا والهواجس الأمنية المشتركة.
علاوة على ذلك، يمكن لمثل هذا النظام الأمني الإقليمي – لحظة تبلوره – تبني معايير حلف الناتو الخاصة بمراقبة قوات البحرية لخطوط الملاحة/ وتعاون البحرية وتوجيه حركة الملاحة حيث تتوافر المفاهيم والأساليب الإدارية الملائمة والتدريبات بالفعل. والمعروف أن هناك منظمتان دوليتان تعملان في مجال حماية حركة الملاحة البحرية وتعرفان باسم “مجموعات العمل البحرية” وهما الناتو ومنظمة المحيط الهادئ والهندي اللتان تحرصان على إطلاع أعضاء كل مجموعة على رؤية المجموعة الأخرى إزاء حماية حركة التجارة؛ وذلك من أجل بلورة مفاهيم إستراتيجية مشتركة من الناحية الإستراتيجية والعملياتية واختبار علاقات الاتصال بين الطرفين بشكل سنوي. ويمكن استخدام أي من أسلوب الناتو أو منظمة المحيط الهادئ كآلية إدارية لتطبيق هذه المعايير على أرض الواقع. بينما يمكن وضع إطار عمل ينظم التدريبات الخاصة بتولي المناصب القيادية بهدف اختبار المهارات الإدارية ووضع السيناريوهات المحتملة لتعاون البحرية وتوجيه حركة الملاحة في المنطقة.
وعلى أية حال، يظل تعبير دول الإقليم المنزعجة من هجمات القراصنة الصوماليين عن إيمانها بأهمية تأسيس نظام إقليمي شامل للتعاون البحري، وأنه سيمثل خطوة مهمة نحو تطوير إجراءات فعّالة لبناء الثقة بين دول المنطقة تعود بالنفع عليها جميعاً خصوصاً في أوقات الأزمات، يظل حاسماً في إضفاء المصداقية والجدية اللازمتين على هذه الدعوة أمام دول المنطقة الأخرى التي لا تزال مترددة في حسم موقفها إزاء التطورات الأمنية الأخيرة قبالة السواحل الصومالية. إن على دول المنطقة التفكير من اليوم وصاعداً، وانطلاقاً من أهمية التعاون في قضية تفاقم القرصنة البحرية في مياهها، بأن مثل هذا النظام سيُمثل أرضية صلبة لتعزيز الثقة المتبادلة وتعميق إدارك دول الإقليم كافة للهواجس والضرورات الأمنية المشتركة، مما قد يُمهِّد السبيل أيضاً لمزيد من التعاون في مجالي الدفاع والقضايا البحرية… ( الجزء الأول… يتبع).
© معهد كيتو، مشروع منبر الحرية، 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018