النضال: نحو رؤية جديدة للمفهوم

حواس محمود15 نوفمبر، 20100

عدد كبير  من الكلمات  والمصطلحات والمفاهيم تم استخدامها عربيا وعالميا في حقب ومراحل زمنية مختلفة، وهي كلمات مؤدلجة وتحمل شحنات عاطفية ترتبط بمستوى الوعي والأفكار والمشاعر السائدة في تلك الحقب والمراحل الزمنية، ولكن لنتساءل هل يمكن أن تبقى تلك الرؤى والأفكار والمشاعر ثابتة وقارة في الأذهان والعقول رغم تغير الظروف وتبدل الحالات وتحول الأزمان؟
من المفاهيم التي سادت في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وحتى قبل نهاية العقد الأخير من القرن العشرين مفهوم النضال: النضال ضد الاستعمار، النضال ضد الرجعية، النضال ضد الصهيونية … الخ، لكن مع فشل الأنظمة العربية في معارك التحرير ومعارك التنمية وبناء الإنسان والأوطان، ومع تفاقم ظاهرة الاستبداد التي جاءت على كل شيء فحولته إلى حالة جامدة متصلبة عصية على التحول والتطور والنماء، فكانت خسارة هذه البلدان كبيرة وضخمة بحجم استفحال الاستبداد الذي نتيجته الفساد والقمع والسجون والتهجير، وكذلك الحروب والمنازعات الداخلية المدمرة،  والخارجية الكارثية والمأساوية. أقول مع تفاقم ظاهرة الاستبداد يمكن القول بأن شعار النضال قد فقد بريقه وفقد شحناته التحريضية للجماهير، وأضحى مادة للتندر والفكاهة، فلم تعد الناس تفاخر بالقول لبعضها: أخي المناضل، إخوتي المناضلين، ولم تعد البيانات الحزبية والإيديولوجية تدبج في مقدماتها بكلمة أيها الأخوة المناضلون، وذلك لأن هذه الكلمة/المفهوم قد فقدت بريقها  الأيديولوجي ومعناها الحقيقي الذي كان مقصودا بها، وتحول العديد من” المناضلين ” إلى أساطين وديناصورات  وعمالقة الفساد والخراب في هذه البلدان والأوطان.
ما نريد التركيز عليه هنا هو أن هذه الكلمة/المفهوم ،الشعار، لم تعد تستخدم لأغراضها الأساسية من مقاومة المستعمر أو الصهيونية أو الرجعية …الخ، وحل محلها – مع فشل التيار القوموي العربي – مفاهيم أخرى بديلة متأثرة بالموجة الدينية الجديدة كالجهاد، والمقاومة، وبشكل خجول على الصعيد القومي   الممانعة.
لقد أضحت كلمة النضال مهملة منسية مقصية مهمشة في دروج الشعاراتية والتشحينية والتحميسية والتهييجية العربية، ولذلك فإن كاتب السطور يرى طرح هذا المفهوم ” النضال” لغايات أخرى مناقضة ومتضادة ومتعاكسة للغايات الأساسية التي استخدمت لأجلها، وهذه الغايات الجديدة هي أن تعني الكثير ممن استخدموها شعاريا وذلك بتوجيه هذا المفهوم باتجاه ممن كان يستخدمها لأغراضه الخاصة، أن تستخدم من قبل القوى الديمقراطية والليبرالية ضد الأنظمة المستبدة والفاسدة والفاشلة وسحب البساط من تحتها نظريا بعدما تم سحب البساط منها  عمليا وواقعيا بإفلاسها وفشلها الذريعين، وذلك بأن نقول النضال ضد الاستبداد في الدولة الفلانية، ولم لا؟ طالما أن هذه الدولة الاستبدادية أضرت وتضر أكثر مما أضر الاستعمار، فهي قد أجهزت على الإنسان فدمرت كل مشاعره الحيوية الإنسانية  المتيقظة، وشلت قدراته الفكرية ونشاطاته الاجتماعية والاقتصادية، فتحول إلى جسد فاقد للروح من خلال ما مورس بحقه من ظلم واضطهاد وانتهاك.
نرى في مقالتنا هذه  أنه يجب أن يكتسب مفهوم “النضال” بعدا جديدا على الصعيد العربي والشرق أوسطي والعالمي، أن يكون النضال ضد الأنظمة القاهرة والمستبدة والمناهضة لتطلعات الشعوب بالتنمية والحرية والعدالة وبناء الإنسان، أن يكون النضال رافعة قوية في وجه من كان يستخدمها ولا يزال ضد أهداف أضحت أهدافا خيالية وميتافيزيقية وبعيدة عن الواقع العياني الملموس.
لقد طرح بعضهم أمرا غريبا وهو أن على الشعوب العربية أن تساند حكامها ضد القوى الخارجية فإذا انتصرت عليها عندها يمكن إسقاط الأنظمة التي تحكمها، هذا أمر خيالي طوباوي لا يقبله أي عاقل، كيف لشعب مكبل اليدين ومحروم من أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم  وفاقد لأبسط أسلحة المواجهة الكبرى أن يهزم قوى عالمية ضخمة تمتلك إمكانات تكنولوجية هائلة؟ وكيف له أن يساند قامعيه وظالميه وهو لا حول له ولا قوة؟ وكيف تحفر الأنظمة الاستبدادية قبرها – المزعوم- بيدها بمقارعة القوى الخارجية بالاستناد إلى شعبها المسحوق؟
إن هذا الإنسان الذي ينتمي لهذه البلدان لا يمكن له أن يتفرغ – وهو لم ينل حقوقه الأساسية– لمهام خارجية ليست بالضرورة  أن تكون ذات طبيعة عنفية وإنما يمكن أن تكون ذات طابع دبلوماسي وعقلاني.
إن مفهوم  النضال وشحناته المرافقة له يجب أن يتحول إلى ساحة أخرى هامة جدا باتجاه نيل استقلال آخر في هذه الأوطان والبلدان، يسميه المفكر والحقوقي التونسي المنصف المرزوقي ب ” الاستقلال الثاني ” !
‎© منبر الحرية،8 نونبر/تشرين الثاني 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018