المساهمة السياسية و تنمية الديمقراطية

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

النظريات العامة التي تتحدث عن سبب اشتراك الناس في السياسة، تجعل الأحزاب السياسية بوصفها البؤر، التي تكمن فيها طاقة الوعي والفعل السياسيين، موضوعاً مركزياً لتحليلها. إن دراسة هذه الأحزاب، بنيتها الاجتماعية وطبيعتها الأيديولوجية، تتيح لنا إمكانية التنبؤ بالسلوك السياسي للمواطن إلى حدٍّ كبير، دوافعه ومقاصده. كما تتيح لنا إمكانية البحث عن البيئة السياسية- النموذجية للمشاركة السياسية.
هنالك نسق معرفي معتمد في الجامعات والمعاهد العالمية العليا، تحت اسم( علم الأحزاب السياسية المقارن) ينطلق الباحثون فيه من القناعة  بأن ازدياد حجم المشاركة السياسية وتطوير أساليبها من خلال  الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والأطر المدنية، هو المدخل الصحيح اليوم إلى مواطنة صحيحة وإلى حياة وطنية أرقى وأشدّ تماسكاً. وخلاف ذلك يعني الحكم بالبؤس السياسي على المجتمع وتهميشه،  وتردّي الشعور بالانتماء والمسؤولية لدى المواطن.
تحقق الأحزاب في هذا السياق تواصلاً بين المواطن والعملية السياسية وممارساتها، وهي تمثل هنا إطاراً مرجعياً لقيم سياسية وأهداف عامة ومشتركة، ينبغي لها أن تستجيب لمصالح المجتمع الأكثر حيوية. هكذا تلعب هذه المؤسسات دوراً كبيراً في توجيه السلوك السياسي للمواطنين، فإذا كان غيابها الطبيعي مؤشراً على الجمود وبؤس الحراك السياسي، فإن حظرها ومنعها بقرار تعسفي من شأنه أن يخلق فراغاً سياسياً وأيديولوجياً يتعذر على الخطاب الأيديولوجي للنظام السياسي أن يشغله بمفرده. وعلينا ألا نقلل من مخاطر مثل هذا الموقف ، إذ يخبرنا التاريخ القريب أن النظم السياسية، التي صادرت أسس المشاركة السياسية الحرّة والديمقراطية  ووسائلها، وقاومت كل مساهمة، فردية أو جماعية، للمواطنين، مهدت بذلك الطريق لاكتساح أيديولوجيات في غاية التطرف سواء دينية كانت أو طائفية أو عرقية، ومن ثم عززت النزوع الارتدادي إلى انتماءات عصبوية متخلفة عمقت من تفكك المجتمع المدني، وأسست بالتالي للتناحر الداخلي بين مكوناته، بعد أن أتلفت كل فضاء تواصلي بينها.
الخلاصة، إن الانتقال من المساهمة السياسية الفردية إلى الشكل الحزبي الجماعي لها، هو الأسلوب العقلاني الحديث للممارسة السياسية، الذي يلازم تحرر الفرد من أشكال الانتماء المجتمعي السابقة وتراتبيتها، التي كانت تقيّد الفرد وتلزمه بمكانة اجتماعية ووظيفة تحول دون اكتسابه صفة العمومية، بوصفه مواطناً في مجتمع سياسي حديث .
إن ظهور المجتمع الحديث يعدّ مؤشراً نهائياً على تحرر الفرد– الإنسان من النظم الاجتماعية السابقة، وعلى ارتقائه وتحوله إلى كائن سياسي عمومي مساهم، لا يكتفي بتموضعه في أطر جزئية محددة، وإنما يلتقي مع غيره في أشكال أسمى من الانتماء. ويتخطى الحزب السياسي في بنيته، بوصفه هيئة منظمة وحديثة  ويتجاوزه في أهدافه ومقاصده العملية، إلى مستوى النشاط الجماعي الواعي القصدي للكل، الذي لا ينفي داخله كل اختلاف أو تعدد في الرؤى والانتماء .
لكن بالمقابل فإن أكبر تهديد مدمر للديمقراطية من جانب الأحزاب ينجم عن تسلطها. إذ يؤول بالمجتمع السياسي الفاعل إلى أوليغارشية متسلطة ومستقلة عن المجتمع المدني والدولة في آن. فلا تبقى لتلك الأحزاب المتسلطة من غاية سوى تكريس سلطتها الخاصة، إذ تنحرف عن أهدافها الأساسية المعلنة، وهي أن تكون في خدمة المصالح الاجتماعية العامة وتمثلها. وبدلاً من ذلك تتماهى مع المصالح الشخصية للطغمة السياسية، وهنا بالذات تكمن بؤرة الفساد السياسي الأوسع انتشاراً في ديمقراطيات عديدة مثل تركيا وإيطاليا، والذي يبدو مألوفاً وشائعاً جداً في ديمقراطيات غير أوروبية. ويلمح آلان تورين إلى أن الفساد  الأكثر خطورة على الديمقراطية هو ذاك الذي أتاح للأحزاب السياسية أن تكدس موارد على درجة من الضخامة والاستقلالية بمعزل عن مساهمة أعضائها الطوعية مما يمكنها من أن تختار المرشحين للانتخابات وتضمن نجاح عدد منهم، جاعلة من مبدأ الاختيار الحرّ للممثلين من قبل المحكومين موضع سخرية. هكذا تجرّد الديمقراطية من صفتها التمثيلية الحقيقية، لينشأ وضع من الفوضى، يتسم بهيمنة طغمة حزبية- اقتصادية، تمهّد لمجيء الدكتاتورية في المحصلة.
© منبر الحرية،10 تموز/يوليو  2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018