المساهمة السياسية و تنمية الديمقراطية

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

(الجزء الأول)
الديمقراطية في اصطلاحها العام ليست وليدة اليوم، إذ لها نسب فكري- نظري يمتد لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، وقد اتخذت دلالات متنوعة تبعاً للسياقات التاريخية التي ظهرت فيها. وهي لم تزل إلى وقتنا الراهن موضع سجال مستمر، وقابلة للابتكار بصورة دائمة، بسبب زخمها السياسي الذي لا يستنفذ، وأيضاً بسبب النزوع المتنامي واللانهائي إلى المساواة لدى البشر. إن مسيرة الديمقراطية تتقدم من خلال التناقض بين مظهريها، بصفتها مثلاً أعلى وأيضاً كونها حقيقة واقعة. وقضيتها هي ليست الواقعية فحسب، وإنما أيضاً ما ينبغي أن يكون عليه عالم المساواة مستقبلاً. فهي لا تركن إلى ما هو قائم أصلاً، ولا تمنح موافقتها الدائمة لأي واقع قائم يفترض أنه الأمثل، أو ينبغي الاعتراف به على أنه الواقع الأكثر كمالاً. وبهذا أثبتت لحدّ الآن تفوقها وامتيازها بقدرتها على التغلب على تناقضاتها، و على تخطيمثالبها السياسية أكثر من أي نظام سياسي آخر. وبرهنت على أنها الشكل الأسمى لأيّ تنظيمسياسي/ مدني يعدّ  الإنسان مبدأ له، وسعادة الأكثرية غايته الرئيسة.
لقد حققت الديمقراطية في النصف الثاني من القرن العشرين حضوراً طاغياً، وفرضت ذاتها في كل مكان بصفتها الشكل السياسي الأكثر حداثة لحكم المجتمعات ولتنظيم الحياة في عصرنا. وواقع الحال أنه ليس ثمة مبدأ مركزي وحيد يختزل فيه تعريف الديمقراطية، كما ليس هنالك ديمقراطية منجزة تماماً يمكن عدّها النموذج الأشمل والأكمل لشكل الحكم أو لممارسته. ويشير الباحثون إلى أنماط رئيسة تحققت تاريخياً في دول مثل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا. وهي على التوالي،الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الدستورية- المساواتية، والديمقراطية التمثيلية أو التنازعية.
ويمكن الملاحظة أن الأخيرة، وهي الأحدث لجهة تحققها التاريخي، تقوم على الإقرار بتعددية المصالح الاجتماعية والتوفيق بينها وبين المساواة القانونية للجميع. وتمكّن الفرد من المشاركة في الحكم، ومن الإسهام في تقرير خياراته السياسية عبر ضمان حقوقه الأساسية. بهذا المعنى فإن هذا المفهوم الأخير للديمقراطية لا يقوم على إخضاع السلطة لحرية طبيعية مفترضة أصلاً في الإنسان فحسب، أو تقييدها، وإنما أيضاً لاستخدام السلطة كوسيلة لخلق حرية جديدة وحقيقية. وهذا هو أحد أوجه الاختلاف بينها وبين الليبرالية. وينوّه آلان تورين بهذا الخصوص إلى أنه ليست ثمة ديمقراطية ليست ليبرالية، وإن كانت هنالك ليبراليات ليست ديمقراطية. ذلك أن الليبرالية تضحي بكل شيء في سبيل بعد واحد من أبعاد الديمقراطية، إنه تحديد السلطة.
الديمقراطية، إذن، لا تعني اليوم إزالة العوائق المادية والمعنوية أمام الأفراد وتحريرهم من القيود فقط، وإنما تعدّهم أيضاً ليكونوا صانعي تاريخهم، فاعلين ومساهمين في تقرير خياراتهم السياسية وإبداعها. والحال أنه ليس ثمة ديمقراطية دون حرية الاختيار، ودون تعددية سياسية تنافسية، ودون انفتاح وتواصل سياسيّ حرّ بين المختلفين. وتنبع الصفة التمثيلية للديمقراطية من هذا الواقع، واقع التعددية والتنوع في الرؤى السياسية والأفكار والمصالح وتنازعها. فلا يمكن تخيل الحاجة إلى ديمقراطية بوجود مجتمع متجانس ومتماه مع نفسه، دون تمايز أو اختلاف. وعليه فإن هذه الصفة التمثيلية تعكس اختلاف الذوات السياسية الفاعلة وتنوع العلاقات الاجتماعية التي تؤسس لأدوارهم. وبناءا عليه نستنتج أن السلطة المنتخبة، ذات الصفة التمثيلية، لن تكون ديمقراطية حتى ولو استحوذت على أغلبية الأصوات، مالم تكن تعددية في الوقت نفسه. ولا تعدو صفتها التمثيلية تلك أن تكون إلا شكلية ومجردة، ما لم تستغرق في ذاتها طيفاً واسعاً ومتنوعاً من الآراء والاتجاهات السياسية القائمة والمصالح الفعلية للبشر.
إن العديد من الأنظمة والشعوب صارت تأخذ اليوم مُثل التعددية  والديمقراطية السياسية على محملالجدّ، وباتت تراهن من خلالها على حياة  سياسية- إنسانية أرقى بكثير مما لو احتكر فرد أو حزب أو عرقأو طبقة الحياة في نفسه. وهذه النظرة أو الأسلوب غدا علامة صحيحة على تقدم المجتمعات سياسياً.فالحياة السياسية الأرقى هي تلك التي تنطوي على المقدار الأوسع من الحرية، وتضمن أكبر تنوع محتمل وتقر به. وكلما كان النظام السياسي ديمقراطياً وإنسانياً أكثر، عنى ذلك أن الذوات السياسية الفاعلة، التي تساهم في إنجاز القرار السياسي، سواء عبر المساهمة المباشرة أم غير المباشرة، على اختلافها هي الأكثر عدداً.
الأطروحة الشهيرة التي هيمنت على النظم السياسية في العالم العربي ودول العالم الثالث، ومنظومةالدول الاشتراكية في القرن العشرين على اختلاف أنماطها، كانت تقول: إن المصلحة الوطنية  الحقيقيةوسلامة النظام سياسياً واجتماعياً، تكمن في التماه بين الدولة والمجتمع وحزب وحيد يمنح نفسه احتكارالشرعية السياسية  والقانونية، وينطق باسم المجتمع وشرعيته، بعد أن استعار صوته ولغته. وقد شخصعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون خمسة عناصر رئيسة مشتركة بين هذه الأنظمة:
1-                  احتكار النشاط السياسي ليقتصر على حزب واحد.
2-                   تحرك ذلك الحزب بفعل أيديولوجية تغدو الحقيقة الرسمية للدولة.
3-                  تمنح الدولة نفسها احتكار وسائل القوة  والإقناع.
4-                  معظم النشاطات الاقتصادية والمهنية مندمجة بالدولة وخاضعة للحقيقة الرسمية.
5-                  الخطيئة الاقتصادية أو المهنية تغدو خطيئة أيديولوجية، وعليه فينبغي أن تعاقب بإرهابأيديولوجي  وبوليسي في آن معاً.
وواقع الحال أن هذه النظم عمدت انطلاقا من هذه القناعة الأيديولوجية إلى تقويض الحياة السياسيةالحزبية داخلياً. وقلًصت الحراك الاجتماعي المدني إلى أدنى حدّ له، وحالت دون نشوء فاعلين سياسيين،وقضت على كل أشكال المشاركة أو المساهمة  السياسية.
إن أحد أبرز معايير ضعف هذه الدول ومجتمعاتها، كما كان يشير علماء الاجتماع السياسي، تتمثّل فيهبوط المساهمة السياسية، أو ما كان يسمونه بأزمة المشاركة السياسية. وقد عدّ في الوقت ذاته سبباًفي إحساس العديد من الأفراد في تلك المجتمعات أنهم هامشيون ومنبوذون في دول ومجتمعات لايشعرون بأنهم يساهمون فيها . كل ذلك دفعهم إلى الشعور المضاد للانتماء أي العزلة والاغترابالاجتماعي ومن ثم إلى التطرف السياسي وإلى الفوضى والعنف. وهنا تكمن إحدى البؤر المولّدة للعنفوالتطرف الأصولي، كما نلاحظ، في عالمنا.
© منبر الحرية ،يونيو / حزيران 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018