عندما تتحول الحرية إلى عدو!

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

في اليوم التالي للانتخابات اللبنانية الاخيرة نشرت صحيفة “السياسية” التي تصدر عن الوكالة الرسمية اليمنية صورة لرجل وعروسه، وهي في ثوب الزفاف، وهما يدليان بصوتهما في مدينة بيروت. وقد حصلت هذه الصورة على اعجاب كثير من القراء، لكن جهات دينية متشددة عبرت عن غضبها، وهددت برفع هذا الأمر إلى القضاء مالم تعتذر الصحيفة، وتعاقب الصحفي الذي قام باختيار الصورة، وقد حصلت هذه الجهات على ما تريده، فقد اعتذرت الصحيفة، وتم ايقاف المسؤول عن ذلك لمدة شهر، ومنعه من الدخول الى مبنى الوكالة اثناء فترة العقوبة. ورغم أنه قد تم التراجع عن هذا القرار إلا أنه يكشف بوضوح مدى تأثير هذه التيارات الدينية، خصوصاً تلك التي لديها موقف معادي من الحرية على من يفترض أنهم طليعة المجتمعات وهم الصحفيون.
كثيرون استغربوا إثارة عاصفة حول صورة عادية بثتها وكالات الانباء ونشرتها صحف عربية مختلفة، خصوصاً وأن صحيفة “السياسية” تعودت نشر صورة كبيرة في الصفحة الأخيرة على غرار صحيفة الحياة اللندنية وصحيفة القدس العربي، وغالباً ما تكون هذه الصور لنساء وهنّ في كامل آناقتهن.
في الحقيقة، إن الاعتراض الذي أبداه المتشددون الدينيون على الصورة لم يكن فقط بسبب ما قيل أن فستان العروسة فاضح!، وإنما لأن الصورة تحرّض على القيام بعمل أكثر فضائحية، وهو الانتخابات، التي تعد بحسب هؤلاء اغتصابا لحق الله في الحكم والتشريع، لذلك وبحسب أهم علمائهم وهو الشيخ محمد الامام في كتابه “تنوير الظلمات لكشف شبهات وملابسات الانتخابات” لا يصح إسلام المرء حتى يكفر بالديمقراطية.
تكمن خطورة هذا الفكر أنه يجعل من الحرية عدواً يجب مواجهته، في حين أن الحرية تعادل الحياة، وهي معنى في غاية الاهمية التفت إليه المفكر الاسلامي الكبير ابن باديس عندما قال “إن حق الانسان في الحرية كحقه في الحياة، فمقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية” .
قبل نحو عامين، أعطاني أحد زملائي مشروع كتاب قام بتأليفه أحد أصدقائه، من أجل أن أطلع عليه وأسعى لنشره في المكان الذي أعمل فيه.
قرأت الكتاب، وصُعقت، فقد كان الكتاب يتحدث عن ما أسماه ألاعيب يهودية، وكان من ضمن هذه الألاعيب، الحرية التي تمثل بحسب وجهة نظره سلاحاً يهودياً لتدمير الإسلام والسيطرة على العالم.
قلت لزميلي: قل لمؤلف الكتاب، لقد بذلت جهداً جيداً، لكن عليك أن تترك هذا الفكر المتشدد الذي يتعامل مع القيم الانسانية مثل: الحرية والمساواة باعتبارهما مؤمرات يهودية، سيكون اليهود في غاية السعادة إذا تم الصاق هذه التهمة بهم! .
في هذا الصدد قد يكون من المناسب التذكير بأن الكتب المعادية للحرية التي تصدر في العالمين العربي والاسلامي أكثر من تلك التي تنادي بها، وهي مسألة محيرة فعلاً، وتحتاج الى نقاش هادئ وعميق، فهذا السبيل الأكثر صواباً لفهم الأسباب الحقيقية التي جعلت الحرية تتحول من مطلب حضاري وإنساني إلى مؤامرة خارجية.
لا يكفي القول، أن الخلط الواضح والمتعمد بين الحرية والانحلال، هو السبب وراء هذا الانقلاب في التفكير الإسلامي على الرغم من أن الحرية هي أحدى المبادئ الأساسية التي دعا إليها الإسلام، ولاتزال مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب “متى أستعبدتهم الناس وقد ولادتهم أمهاتهم أحرارا” تملئ المكان.
اليوم يوجد داخل التيار الإسلامي وخارجه من يحاول رد الإعتبار للحرية، لكن هؤلاء يواجهون خصماً لديه إرث من التسلط يستند على قداسة دينية، قادر على تحوير النصوص المقدسة لمصالحه الضيقة، وبسب الأمية العلمية والدينية على حد سواء تزيد قدرة هذا الطرف على التأثير على البسطاء الذين يتعامل معهم بقسوة وتعالٍ.
قبل عدة أشهر، سعى بعض رجال الدين في اليمن إلى تكوين هيئة للدفاع عن الفضيلة، على غرار هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد توقف المشروع مؤقتا، إذ لم تسمح الظروف التي تمر بها البلاد بتمرير هكذا مشروع. ثمة اتجاه لدى هؤلاء للوصاية على الناس الذين غالباً ما يثقون بهم.
في المقابل، هناك من يصمم على التفاؤل، ويعولون على تطور المجتمعات العربية، وعلى رجال الدين البارزين الذين يملكون فكراً متحرراً، واجتهادا مغايراً للسائد، لكن أغلب هؤلاء يريدون الحرية من أجل استخدامها كمطية للوصول إلى التحكم بالسلطة والناس. الداعية الاسلامي الدكتور يوسف القرضاوي أحد هؤلاء الذين يشار إليهم بالبنان عندما يتعلق النقاش بالتجديد الديني، وقد طالب مؤخراً بإطلاق الحريات العامة بين أفراد الشعوب الإسلامية، معتبراً أن ذلك أمرٌ مقدمٌ على تطبيق الشريعة. وهو رأيٌ يشاركه فيه الكثير من المرجعيات الإسلامية المختلفة التي تحاول أعطاء الحرية معايير خاصة جداً تتفق وأفكارهم التقليدية، تحت حجة رفض الأفكار الآتية من الغرب الكافر!، ما يعني أننا قد نحتاج الى زمن طويل حتى نغيّر من أفكارنا تجاه الحرية التي تُعد بحق أهم القيم الإنسانية على الإطلاق.
© منبر الحرية، 20 دجنبر/كانون الأول2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018