التجربة العراقية بعد ستة سنوات من الاحتلال

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يبدو المشهد السياسي العراقي المعاصر مفتوحاً على احتمالات سياسية عديدة، ولا يمكن لأحدٍ الجزم بطبيعة المآل الذي ستؤول إليه التجربة الديمقراطية العراقية الوليدة حديثاً، والتي لا تزال عرضة للكثير من العقبات والتحديات الداخلية (على صعيد البنية والرؤية والمضمون) والخارجية (على صعيد وجود محاولات خارجية حثيثة لإسقاطها أو لحرفها عن تطورها ومسارها التجريبي الطبيعي).
وقد انطلقت شرارة الديمقراطية الحديثة في العراق بعد أن شنت الولايات المتحدة حرباً غير شرعية على العراق أفضت إلى احتلال بلاد الرافدين بالكامل، مما سمح لكل هذا المكبوت العراقي العنيف –عن قصد أو عن غير قصد- بالخروج والنفاذ إلى السطح بعد عهود طويلة من القمع العاري والعنف الدامي المادي والرمزي الذي مارسته سابقاً سلطة “المشروعية الثورية الانقلابية” القومية والاشتراكية بحق كل شرائح وفئات وأطياف المجتمع العراقي منذ ما بعد خروج الاستعمار البريطاني حيث شرعت وقتها النخب الوطنية -التي قادت النضال من أجل تحقيق الاستقلال- في محاولة بناء دولة حديثة تقوم على الأسس القانونية البرلمانية والدستورية الديمقراطية قبل أن ينقض عليها العسكر بانقلاباتهم العبثية والشعبوية التي مارست سياسة تحطيم منهجي تدرجي شامل ضد المجتمع العراقي قبل أن تقدمه على طبق من ذهب كفريسة متآكة للأطماع الخارجية. وقد رأينا كيف كان العراق ينتقل –مع هكذا نخب طغيانية- من حرب إلى أخرى، ومن دمار إلى آخر، فكان أن انحل مفهوم الدولة الوطنية التي قامت بعد الاستقلال، ليواجه المجتمع العراقي وحيداً سلطات دموية غاشمة تمارس العدوان والإبادة في الداخل وتحاول تعميم الإرهاب في الخارج.
ولا شك بأن القضاء على النظام الشمولي في العراق –الذي كان يتقوم بثقافة الإلغاء والعنف والفساد المعمم وتهشيم عرى الوحدة الوطنية عبر الممارسات الطائفية والعائلية- وفّر لهذا المجتمع لوناً من الحرية، كما سمح ببناء نظام سياسي تعددي لم يكن للعراقيين عهد به من ذي قبل (تحديداً منذ العام 1958م)، تمكنوا بموجبه من تنفس الصعداء وممارسة حرياتهم وإخراج كل ما لديهم من رؤى وتصورات وأحلام وتطلعات ثقافية ودينية وسياسية خاصة وعامة إلى عالم النور والحياة، بعد أن ظلت في عالم المكبوت واللاوعي المجتمعي.
ولا شك بأن مجتمعاتنا العربية –ومن ضمنها طبعاً المجتمع العراقي- تواقة إلى المشاركة في صنع السياسة والدخول إلى عصر الشعوب الحرة صاحبة القرار في تحديد مصيرها ومستقبلها من خلال إحداث التغيير الديمقراطي وبناء دولة العدل والقانون والمؤسسات.. ولكنها لا ترغب –وبغض النظر عن طبيعة تكويناتها الثقافية والسياسية- أن تكون طريقها إلى الديمقراطية مليئة بالجثث والضحايا وبحيرات الدماء، بل تتمنى أن يأتي التغيير المنشود داخلياً وسلمياً وهادئاً ومن دون أية خسائر بشرية أو غير بشرية.
وإذا أردنا أن نقيّم تجربة العراق الحديثة العهد نسبياً بصورة صحيحة وموضوعية، لا يمكننا الاكتفاء فقط بإجراء معاينة ومشاهدة خارجية لبعض المظاهر الشكلية لتلك التجربة داخل المجتمع العراقي، بل ينبغي علينا النفاذ عميقاً إلى بنية هذا المجتمع الذي لا يزال يشهد حضوراًَ طاغياً وبارزاً للثقافة الأهلية (ثقافة التدين الشعبي والتكليف الشرعي) في معظم مواقعه وامتداداته.
فالتكليف الديني الشرعي هو الذي يقود –بصورة عامة- ثقافة هذا المجتمع، ويتحكم بوجوده من تحت السطح، ويحدد لأفراده طبيعة الحراك الذي يجب عليهم القيام به وسلوك طرائقه بما يحقق أهدافهم ومقاصدهم التي يراها ويؤمن بها كل مكون من مكوناته.
وقد لاحظنا في الانتخابات التي جرت في العراق خلال السنوات الماضية التي أعقبت غزوه، هيمنة هذا البعد الديني على تفاصيل العملية الديمقراطية العراقية، قبل انعقاد الانتخابات وفي المرحلة التي تلتها بعد وصول النواب الجدد إلى سدة البرلمان، حيث لاحظنا أن جل اهتمام النواب الإسلاميين -أو أولئك المحسوبين على الثقافة والانتماء الديني الإسلامي- كان منصباً ليس على معالجة هموم ومشكلات مجتمعهم في مكافحة البطالة المقنعة والسافرة، ومحاسبة الفاسدين، وتدهور التعليم، وعدم وجود عدالة اجتماعية وانعدام تكافؤ الفرص، وتردي الأخلاق العامة، وهدر المال والثروة الوطنية، وتفشي ظواهر الإثراء غير المشروع الذي وصلت أرقامه إلى حدود فلكية.. أقول: كان الهم الأكبر والأعظم لدى أولئك النواب هو في محاولة إقرار تشريعات قانونية دينية ملزمة كالحد من حضور المرأة في المجتمع، وإلزامها بارتداء الحجاب، ومنع بيع الخمور وغيرها مما يدخل في ثقافة الحلال والحرام الدينية، مع العلم أن الحرام الأكبر الذي ينبغي تفاديه والتصدي له هو غياب المنهجية العلمية اللازمة لبناء المجتمع وتطويره وتحديثه وتنميته بعد عقود من التحطيم المنهجي المنظم الذي تلقاه على يد النظام الديكتاتوري السابق زمن صدام حسين..
وبالنظر إلى ذلك أؤكد بأنه إذا حاولنا تقييم تجربة العراق الديمقراطية من خلال ما تم بناؤه حتى الآن في العراق الجديد من مؤسسات وآليات وقوانين ديمقراطية، فإنه يمكن القول بأن العراق بدأ يحث الخطى نحو عالم التحول الديمقراطي وتداول السلطة، وإقامة أسس نظام ديمقراطي برلماني، حيث الانتخابات الحرة ووجود البرلمان الحقيقي الممثل لكل الأطياف الحضارية والدينية والثقافية للمجتمع العراقي، وحيث تعدد الأحزاب (من أقصى اليسار لأقصى اليمين) والنقابات والقوانين الناظمة لوجودها، وحيث الصحف الحرة ووسائل الإعلام المنتشرة بكثافة، وحيث بداية تشكل دولة القانون والمؤسسات والقضاء المستقل..
وأما إذا قيمنا تلك التجربة من زاوية إيمان والتزام أهل ونخب العراق الجديد –بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم الدينية والفكرية- بالفكر والنظرية الديمقراطية كآلية لتنظيم وإدارة شؤون الدولة والمجتمع، ونسبة نفاذها إلى عمق قناعاتهم الداخلية، وتطبيقها في ممارساتهم العملية على مستوى مؤسسات الدولة، فإنه يخالجنا شعور عميق بأن التجربة الديمقراطية العراقية لا تزال هشة ومحكومة، وفي بدايتها من الناحية البنيوية، وأن طريق المجتمع العراقي –مثل باقي مجتمعات العرب- نحو إنجاز بنية ديمقراطية وصيغة دستورية تعاقدية صحيحة وعصرية صعب وشائك وغير مفروش بالورود، بل دونه عقبات ثقافية وقيم قبلية وعادات نمطية قديمة لا تزال مهيمنة ومحددة لحركة الناس. فالصوت القبلي والعشائري لا يزال قوياً ومسموعاً وحاكماً في مجتمعاتنا. ورؤية أو فكر أو مفاهيم شيخ القبيلة –السياسي أم الديني- عندنا لا تزال هي الحكم والمرجعية الصالحة والرشيدة والموجهة لكثير من تفاصيل الحياة والمجتمع.
وربما يكون الدليل الأبرز على ذلك أمران أو شاهدان من العراق الحديث:
الأمر الأول: استعانة الديمقراطية العراقية الوليدة بشيوخ العشائر والقبائل (من مختلف الملل والمذاهب الإسلامية) لدعم وتثبيت أركان الأمن في أنحاء متفرقة من العراق الجديد. مما يقودنا إلى حقيقة أنه لو كانت الديمقراطية العراقية عميقة وضاربة الجذور هناك لما احتاجت الدولة –وهي صاحبة القرار الحاسم في إصدار الأمر والهيمنة على قرار الحرب والسلم والمعنية أولاً وأخيراً باستخدام العنف لتثبيت الأمن- للاستعانة بقوى ومليشيات مسلحة خارجة عن سياق الدولة، أو بالحد الأدنى رديفة لها (عشائر صحوة أنبار العراق وغيرها). ومع ذلك فلا مقدسات في السياسة، والغاية تبرر الوسيلة أحياناً، بل وتنظفها من بعض ما قد يعلق بها من شوائب وأخطاء، وإذا كانت الغاية هي الحد من العنف الدامي الذي كان مسيطراً في العراق من خلال الاستعانة ببعض القوى التقليدية، والاستفادة من خبراتها النوعية الكبيرة في هذا المجال، فلا مانع من ذلك شرط ألا يأتي على حساب مستقبل الديمقراطية الحقيقية في العراق.
الأمر الثاني: الزيارات الدائمة والمتكررة للوفود الدولية، وللقائمين على الديمقراطية العراقية الوليدة إلى النجف الأشرف لأخذ البركة من المرجع السيستاني (خصوصاً أثناء انعقاد الانتخابات)، وربما لأخذ موافقته وإمضائه على كثير من الأمور والنظم والقوانين التي يراد إنفاذها وتطبيقها في العراق الجديد على كل العراقيين.. مع كامل تقديرنا واحترامنا لهذا المرجع الواعي والمدرك لكثير من حقائق مجتمعه العراقي، حيث رأيناه يقف موقفاً سلبياً من غزو بلاده، ولكنه لم يورط شعبه في معارك خاسرة، واكتفى من ذلك كله بإعلان المعارضة السلمية للاحتلال، مؤيداً الانفتاح على الحياة والعصر والقيم الديمقراطية للاستفادة من ثمارها وخيراتها بما يلائم مجتمع العراق وبناه الفكرية وأنساقه الحضارية.
إن كل ما تقدم يؤكد لنا عدم امتلاك العراق الحديث لبنية ديمقراطية قوية وذات امتداد عميق في بنيته الثقافية والحضارية، كما ويؤكد لنا أكثر الحاجة المتواصلة لمجتمعاتنا العربية عموماًَ للتدرب على القيم وآليات العمل الديمقراطية كما يفعل العراق الجديد حالياً.
وباعتقادي لن يكتب لتجربة العراق النجاح ما لم يتم تعميقها في بنية المجتمع العراقي، بهدوء ووعي وتدريب عملي مستمر وطويل، وهذه –لا شك- مسؤولية القيادة والكيانات والأحزاب السياسية العراقية بالدرجة الأولى.
فالديمقراطية ثقافة ووعي والتزام قيمي عملي، وهي عملية تراكم مستمر وبناء متواصل لا بد لمجتمعاتنا العربية والإسلامية الغارقة في ثقافة التقاليد والأعراف القديمة من وعي تلك الأمور والالتزام بمقتضياتها إذا ما أرادت أن تحقق لذاتها الحضارية وجوداً وحضوراً نوعياً مهماً في عالم اليوم والغد، حيث الحضور مشروط بامتلاك القوة والمعرفة والإنتاج العلمي التقني التجريبي، ولا قوة ولا معرفة علمية إبداعية من دون المشاركة في صنع الإبداع وتهيئة مناخه وخلق شروطه ومتبنياته، وهذا غير ممكن من دون الاقتناع والإيمان الفعلي بالثقافة الديمقراطية العقلانية الحداثية.
© منبر الحرية، 09 أبريل 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018