مخلوقات إعلامية: إعلام في عالم مضطرب

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

أنه لمن نافلة القول أن أقوى قوتين تؤثران على عالم اليوم هما: الإعلام والإستخبارات. وإذا كان هذان الذراعان متداخلات عبر العديد من الفضاءات والوظائف، فإن المؤكد هو أن واحداً من أهم موضوعاتهما هو الجمهور، أي إستهداف الرأي العام من أجل تشكليه وإدارته بالطرق التي تخدم مصالح القائمين عليهما. وهنا يكون الإنسان، فرداً وجماعات، هو الهدف النهائي. كما أن القوتين تشتركان كذلك في توظيف اللغة وسيلة وأداة لتحقيق أهدافهما. اللغة هي الإناء الذي يملأ بالمراد من الأفكار والحقائق والأكاذيب، من بين سواها من المطلوب بثه وإشاعته أو الترويج له. وإذا كان الجهاز الإستخباري يعمل أحياناً على صناعة وإنتاج وتسويق الإشاعات والإشاعات المضادة، فإن الإعلام يقوم بعمل مشابه عندما يصنع وينتج ومن ثم يسوّق أفراداً أو أفكاراً أو قضايا بحسب أهواء القائمين عليه. وبذلك تكون هذه جميعاً “مخلوقات إعلامية” mediacreatures، بمعنى أنها من إختلاق وتضخيم الإعلام، ليس إلاّ، شخوصاً كانت أم قضايا.
لقد لاحظ المخططون الإعلاميون البارزون منذ أمد طويل أهمية وسائل الإعلام في صناعة المعجزات وخلق الخرافات والأساطير وتمريرها. وقد تناغم هذا مع تطور وسائل البث الأثيري والعام الذي يصل إلى “كل الناس”. لذا تنبه هؤلاء إلى أهمية الإعلام، ليس فقط في إدارة الرأي العام على النحو المطلوب، ولكن كذلك في تصنيع وتسويق الأفكار والأساطير والشواخص، حسب الطلب. وكان الألمان، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، هم رواد هذا الحقل، إذ تفردوا، ربما للمرة الأولى في التاريخ، بخلق الشواخص الأسطورية. وهكذا تمت عملية أسطرة شخصية القائد المنزّه الذي لا يخطأ ولا يسهو، أدولف هتلر، على سبيل تعبئة الجماهير على طريق “عبادة الأبطال” hero-worship، كما إصطلح توماس كارلايل على تعظيم البطولة الفردية قبل ذلك بعقود. ناهيك عن اساطير وخرافات أخرى تم توظيفها في الحرب على سبيل خدمة المعسكر الألماني على حساب معسكر الحلفاء، ومنها “الأسطورة الآرية”، اي أسطورة تفوق الجنس الآري على سواه من الأجناس خاصة الجنس السامي.
مذاك تكررت عمليات صناعة الأبطال وتسويق البطولات على نحو مضطرد، خاصة مع ظهور العديد من الأنظمة الشمولية في الشرق والغرب على حد سواء. بيد أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تم توظيف الإعلام بطرائق فنية عدة على سبيل إنتاج “مخلوقات إعلامية” لا تمت للواقع بصلة. لقد صنع الإعلام نجوماً كثيرة عبر تاريخه العالمي في العصر الحديث. وهو لم يزل يفعل ذلك مسوقاً إياها على حساب الحقيقة ومن خلال إستغفال الجمهور: فإضافة للقادة التاريخيين المؤلهين، ظهر لدينا المفكرون التاريخيون والفنانون الإستثنائيون ولاعبو كرة القدم المعجزة، من بين شواخص أخرى لم تكن لتعني الكثير لولا ما نفخه الإعلام في صورهم من هواء حتى اضحوا بالونات لا تحتاج لسوى وخزة إبرة لتنفجر كالفقاعة على سطح ماء بارد.
وإذا كان الغربيون، قد حصلوا على القدح المعلى في صناعة وتسويق مخلوقات إعلامية لا قيمة تُذكر لها خارج عالم الإعلام، فإننا في العالم العربي غالباً ما نتتبع خطاهم بدقة متناهية، للأسف. لقد خلقت بعض وسائل الإعلام العربية عبر العقود الأخيرة اساطير وخرافات عدة، كان بعضها شواخصاً فردية، بينما كان بعضها الآخر قضايا ومشاكل مفتعلة. وكانت النتيجة هي صناعة رأي عام يعاني الكثير من الإختلال والتشويه، لاحظ إستحالة بعض الشخصيات المستبدة إلى “قيادات تاريخية” تستحق التقديس!.
واحدة من أهم طرائق صناعة وتسويق النجوم قد تمثلت في “تنجيم” أفراد لا يستحقون ما حصلوا عليه من سمعة وضجة من خلال وسائل الإعلام: فبينما تم تنجيم العديد من الشخصيات البائسة التي لم تقدم شيئاً يستحق الذكر، بقيت شخصيات “ثقيلة” ومهمة أخرى قابعة في الظل، لا يذكرها أحد، وقد لا يعرفها الكثيرون. وهكذا مكثت العقول الذكية والمبدعة أسيرة صوامعها ومعتكفاتها المغلقة البعيدة، بينما صعدت إلى القمة “الإعلامية” شخصيات لا تذكر بالأصالة والإبداع بحساب المعايير التاريخية والثقافية الموضوعية. وللمرء أن يحاول إجراء مسح بسيط لهؤلاء الذين ترفعهم بعض وسائل الإعلام إلى النجومية، ليقارنهم بهؤلاء المنسيين الذين لا تكلف وسائل الإعلام نفسها تقديمهم أو البحث عنهم، وهو سيخرج بنتائج باهرة بالمفاجآت. هذه واحدة من سلبيات ما يسمى اليوم “بالإعلام الموجه” الذي تديره وتوجهه الدكتاتوريات، خاصة في الشرق العربي الإسلامي.
المعضلة تتلخص في أنه “لا ضريبة على الكلام”، كما يقال. فإذا ما أرادت وسيلة إعلامية تحويل شخص عادي إلى نجم يذكر في كل مكان، فإن العملية بسيطة وقد لا تحتاج سوى لتزيين هذا الشخص بالألقاب جزافاً. لنلاحظ على سبيل المثال أن يقدم شخص ما في مقابلة على إحدى الفضائيات مترافقاً إسمه بلقب “المفكر الكبير”؛ أو أن يقدم شخص آخر بعنوان شهادة عليا هو لا يملكها، أو أن يقدم شخص ثالث مع لقب “شيخ”، وهو اللقب الذي راح ينتشر هذه الأيام بسرعة: فهذا شيخ المؤرخين، وذاك شيخ الشيوخ، وذاك شيخ المدينة، زيادة على شيوخ من أنواع أخرى. وعودة إلى المعضلة، فإنها تتلخص في أنه لا توجد هيئة أو منظمة يمكن لها أن تحاسب وسيلة الإعلام إذا ما أطلقت لقباً مفتعلاً أو مزوراً على أحد. كما أنك لا يمكن أن ترفع دعوى ضد وسيلة الإعلام المعينة لأنها أخطأت في منح شهادة جامعية عليا لشخص لا يمتلك سوى شهادة الثانوية العامة ! وهكذا تتلبد سماؤنا بالعناوين غير الصحيحة والألقاب المزيفة لتمطر على رؤوسنا أكاذيباً بهدف إنتاج وتسويق مخلوقات إعلامية، لا أكثر.
من المخلوقات الإعلامية الأخرى يجد المرء عمليات صناعة وتسويق القضايا والمشاكل والمسائل التي قد لا تستحق الكثير من العناء الإعلامي. وهنا يتطابق عمل الإعلام مع عمل الأجهزة الإستخبارية في تشكيل وإنتاج الإشاعات والإشاعات المضادة، بل حتى في صناعة وتسويق “النكات” المضحكة ضد فئة معينة من الجمهور، على سبيل الإقلال من شأنها كما حدث في عدد من البلدان العربية مؤخراً. وهكذا يمكن لوسيلة الإعلام أن تنفخ في مسألة معينة حسب أهواءها، كما أنها يمكن أن تفرغ الهواء عن مسألة أخرى حسب الطلب. هكذا تتم عمليات صناعة الخوف وتسويقه، وهكذا تتم عمليات إنتاج الأعداء وتسويقهم.
إن الإعلام، بالرغم من فوائده ودوره التنويري الكبير، يمكن أن يوظف كعدو للجمهور وكمشكل مُضلل ومزيف للرأي العام، الأمر الذي يحيلنا إلى مناقشة الحرفية أو الحيادية المطلقة في عالم الإعلام: هل هي حقيقة أم خيال؟ لاحظ كيف يتم ليّ الإعلام والتصرف بأدواته وقنواته لخدمة بعض الأنظمة الرجوعية التي لا تريد الإستجابة لمتطلبات العصر الملحة، خاصة الحريات والديمقراطية.
أن الحياد المطلق للإعلام هو مجرد أسطورة، كما يبدو من إستقراء المنتج الإعلامي اليوم. بل أن تتبع “سلوكيات” المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية بدقة يشير إلى أن غياب النزاهة الكاملة في نقل الأحداث وفي طرائق تقديمها وأساليب إخراجها (عبر العاملين في الأجهزة الإعلامية وبواسطة المتعاملين والمتعاونين معها) إنما هو ظاهرة  تعبّر عن المصالح والأهواء الكامنة وراء أهواء ومصالح مديري هذه الأجهزة، تعبيراً عما يتمنوه من نتائج للأحداث ولأنفسهم من معطيات نهائية لهذه النتائج.
وليست الأحداث الجارية على الساحة العربية بأول المحكات التي تعكس “المصلحية” الإعلامية؛ فقد بيّنت الأحداث التاريخية خاصة عبر سنوات الحرب العالمية الثانية ( إبان الصراع الإعلامي الرهيب بين الرايخ الثالث ودول الحلفاء) بأن التشبث بحيادية مطلقة للإعلام يندرج في حقل التشبث بالمستحيل أو بالخرافة. ولكن أحداث العالم العربي الملتهبة الجارية اليوم تقدم لنا البينة الواضحة على أنه لا يوجد شيء اسمه إعلام مطلق الحيادية حتى بالنسبة لوسائل الإعلام العائدة إلى القطاع الخاص أو إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى هيئات إدارية حكومية. وبعكسه، لماذا يختار الفرد أو الشركة الاستثمار في وسائل الإعلام، مفضلين هذا الاستثمار على حقول استثمارية أكثر إدراراً مادياً مباشراً. وهذه الظاهرة التي تعني بأن الإعلام يشبه إلى حد كبير عملية كتابة التاريخ أو التورخة. فالإعلام يشترك مع التاريخ في أنه لا يمكن إلاّ وأن ينطوي على شيء من التفضيلات والتمنيات والمخاوف الكامنة لدى مالك الوسيلة الإعلامية ومديرها، زيادة على تأثيرات هؤلاء الذين يحاولون الفوز برضاهما واستحسانهما. وعليه، فإن أي جهاز إعلامي ومهما حاول أن يقدم الأنباء بحيادية لابد أن يقع فريسة لأهواء الممول الذي ” له رأي ” بالأحداث، وهو الرأي الذي يتبلور في طرائق تقديم المادة الإعلامية وحجبها أو حجب أجزاء منها على سبيل تحقيق المرجو من آثار على مستهلكي هذه المادة. وإذا كانت بعض وسائل الإعلام تتباهى بأنها “مفضلة” على غيرها بسبب حياديتها، فأن هذا لا يعني وجود حيادية مطلقة قط، فالموضوع شديد النسبية.
وإذا كانت وسائل الإعلام مرآة لمواقف مديريها ومموليها، فإنها تقدم كذلك صوراً دقيقة للانتهازيين الذين يحاولون ركوب الموجة لتحقيق أهدافهم الأنانية الخاصة. ولدينا في العالم العربي عدداً لا بأس به من هؤلاء المتحذلقين الذين يحاولون استثمار وسائل الإعلام عبر استثمار مصالحها لتمرير أنفسهم كمنقذين أو كوطنيين، أعلى من سواهم وطنية بدرجات. ومن هؤلاء الذين تستحسن بعض الفضائيات إظهارهم وتقديمهم، بسبب التقاء بعض المصالح المشتركة، أشخاص لا همّ لهم سوى الفوز بالشهرة ومن ثم السلطة. وهكذا تبقى مصائرنا في العراق مرتهنة بأمثال هؤلاء المزايدين وبسواهم من الذين يريدون أن يحكموا العراق عبر عمليات قطع الطرق وانتهاز الفرص.
ولا يبالغ المرء إذا ما استمكن شعوراً قوياً بأن هناك وسائل إعلام شائعة في البلدان العربية من تلك التي وجدت في أحداث الشرق الأوسط الساخنة فرصة ذهبية لسكب الزيت على النار وتأجيج الحرائق بلا أدنى شعور بالمسؤولية. بل أن المرء ليشعر بأن هؤلاء ينتظرون الحروب الأهلية وإنتشار الفوضى “بفارغ الصبر” عبر الحديث الملحاح عن التقسيمات الطائفية والعرقية بديلاً عن الدعوة إلى نشر الديمقراطية والفكر الليبرالي الذي يرتهن به التقدم والإنتقال من غياهب التقليدية الظلامية إلى انوار الحرية والتقدم، الأمر الذي يحيل الإعلام إلى “كائن” طفيلي (يعتاش على أحداث ومعاناة الغير) بدلاً عن إحالته إلى مرآة للحقيقة.
إن الأحداث في العالم العربي والشرق الأوسط عامة كثيرة وساخنة ولا يبدو بأنها ستتوقف، ولكنها تقدم لنا البينة على مصلحية وانتهازية العديد من وسائل الإعلام التي تنظر إلى هذه الأحداث كفرص عمل، فتحورها ثم تديرها على هذا الأساس وليس على أساس من الحياد المطلق الذي صار خرافة هي مدعاة للتندر بالنسبة لمن يحيا في أتون الأحداث الحقيقية. ولكن، مع هذا كله، يحاول رجال الإعلام الجادين التشبث بالحيادية أنموذجاً يستحق التمسك به، لذا كان هؤلاء أقرب إلى الجمهور لأنهم أقرب، نسبياً، إلى الحقيقة.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 11 ديسمبر 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018