peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يركز هذا المقال على المعايير التي تساهم في رسم النطاق الأمثل للحكومة، وعلى المسائل المتعلقة بالعلاقة بين الفرد والدولة. سأبدأ ببعض التوضيحات ذات الصلة بمفهوم الدولة، حيث أن العديد من الأنظمة التي ينظر إليها تقليدياً على أنها “دول”، تنقصها حتى المتطلبات الأساسية التي يأتي ذكرها في المناقشات المعيارية حول ما يجب أن تقوم به “الدولة”. واختتم المقال بالمجادلة بالقول أن الرؤية الكلاسيكية للدولة المحدودة تعتبر أفضل في المعنى الذي توفر فيه الدفاع الأفضل عن الحريات الاقتصادية والشخصية.
النظام المؤسساتي والدولة

يظهر التاريخ أنه كان لكل مجموعة إقليمية كبيرة ودائمة من الأشخاص، مجموعة من القوانين الشخصية المتبادلة، وفي المجتمعات الأكثر حداثة، نظام مؤسسات يحكم التعاون، وحل الصراعات، والدفاع فيما بينها. وأطلق على عدد من هذه الأنظمة المؤسساتية اسم “دول”. ومن الواضح أن تحديد أي من هذه المجموعات لديها دولة، وأي منها لديها نظام مؤسسي بدون دولة، هو أمر يعتمد على تعريف معنى الدولة. وأكثر تلك التعريفات استخداماً على نطاق واسع هو تعريف ماكس ويبر. فالدولة تكون قائمة عندما يكون هناك جهاز متخصص يحتكر عملية استخدام القوة في منطقة ما (ويبر 1922: 29-30). ولا يُعترف بالأنظمة التي لا تستوفي هذا الشرط على أنها دول. على سبيل المثال، لا تعتبر الجمعية الخيرية دولة، في حين أن “دولة الرفاه الاجتماعي” تعتبر كذلك. وبحسب تعريف ويبر فإن الأنظمة التي ترتكب فيها المجموعة الحاكمة الجرائم ضد الأعضاء الآخرين الذين يعيشون على نفس الأرض، سيطلق عليها مع ذلك تعريف دولة، رغم أنها دولة مهلكة (على سبيل المثال جمهورية زائير سابقاً في ظل حكم موبوتو سيكو-سيكو).
وكنقطة بداية في النقاش حول النطاق الأمثل لنشاط الدولة، بإمكان المرء اللجوء إلى مفهوم روبرت نوزيك المتمثل في دولة الحد الأدنى—إي تلك التي تقتصر وظيفتها على “مهام حماية جميع مواطنيها من العنف، والسرقة، والاحتيال، وعلى تنفيذ العقود.” (نوزيك 1974: 26).
هل الدول الأمثل مختلفة بسبب المجتمعات المختلفة؟
هل تعتمد رؤية الدولة الأمثل على خصائص الدول القائمة، أم على الملامح التي تنطوي عليها مجتمعاتها؟ فعلى سبيل المثال، هل يجب على الدولة أن تقوم بما هو أكثر (أو أقل) في البلدان الأكثر فقراً بالمقارنة مع ما تقوم به الدولة في البلدان الأكثر غنىً؟ أم هل أن النطاق الأمثل لنشاط الدولة يعتمد على التركيبة العرقية للسكان، ومدى التوتر المجتمعي الناتج عن ذلك؟
وتتمثل القضية الأخرى فيما إذا كان النطاق الأمثل للحكومة يبرز من العملية الديمقراطية. فإذا كان الأمر كذلك، فبإمكان المرء أن يجادل بالقول أن النطاق الأمثل للدولة في بعض المجتمعات يشتمل على المزيد من إعادة التوزيع على حساب النمو الاقتصادي، بينما تفضل مجتمعات أخرى إعادة توزيع أقل ونمواً أكثر. على أية حال، فإنّ أخْذنا قانون الأغلبية كمعيار للحكم على أفعال الدولة هو أمر محفوف بالمخاطر، لأنه يتضمن ضرورة قبول أي قرار من قرارات الأغلبية، بما فيها تلك القرارات التي تضطهد الأقليات، وتصادر الملكية، وتفرض ضريبة الحرمان. وبناء عليه، يجب تقييد قانون الأغلبية، مما يسلط الضوء على الحاجة لمعايير أخرى لرسم نطاق الدولة.
أما الإجابة على التساؤل حول ما إذا كانت الدولة الأمثل مختلفة بسبب المجتمعات المختلفة، فتعتمد إلى حد كبير على ما إذا كان الأفراد في المجتمعات المختلفة مختلفين جوهرياً. وأنا أعتقد شخصياً أن هناك متغيرات دافعية وإدراكية قوية على نحو كافٍ تشكل الطبيعة البشرية، بحيث أن النطاق الأمثل للدولة يتشابه على نطاق عريض عبر المجتمعات. فالسياسات التي اعتمدت على وجهة النظر المعارضة—على سبيل المثال، الاقتراح بأن المجتمعات الأكثر فقراً تحتاج إلى دولة أكثر تدخلاً لأن المزارعين الفقراء لا يتجاوبون جيداً مع الحوافز الاقتصادية المعيارية—كان سبباً رئيسياً في استدامة الفقر في العالم الثالث (باوير 1976، شولتز 1980). والخطأ الأكثر فداحة بكثير ذلك الذي ارتكبته الماركسية، والتي افترضت أن القضاء على الملكية الخاصة سينتج فرداً جديداً وأفضل.
وتشير الرواية الأحدث من مغالطة المنادين بالدولانية إلى وجود نقص في معلومات السوق (أي الأفراد) في المجتمعات الأكثر فقراً بصفتها الأساس العقلاني لدولة أكثر تنظيماً. إن هذه التوصية محيرة، حيث أن نطاق التنظيمات الفعلية في العالم النامي تتجاوز على نطاق واسع ما يمكن تبريره من جانب أية اعتبارات فعّالة (دجانكوف وآخرون 2002). وعلى المرء أن يأخذ في الاعتبار أيضاً احتمال أن يتم نقل بعض المهام التي تخص المجموعة الأمثل من أنشطة الدولة إلى هيئات خارجية، مثل المنظمات الدولية. ولكننا سنواجه عندئذ مسألة التوزيع الأمثل لهذه المجموعة من أنشطة الدولة، والقضايا ذات الصلة للدور المتغير للدولة الوطنية. وتكمن مثل تلك القضية في قلب الجدل الدستوري في الاتحاد الأوروبي (كريفيلد 1999: 402-21؛ ماثيوز 1997: 50-65).
معايير رسم الدولة الأمثل
يعتبر المنهج الاقتصادي المعياري لرسم المجموعة الأمثل من مهام الدولة غير مرضٍ.[1] وبالتحديد عندما يشير الاقتصاديون مثل جوزيف ستيجليتز (1988: 24) إلى أن “الدور الرئيسي للحكومة” هو توفير الإطار القانوني “الذي تحدث ضمنه جميع العمليات الاقتصادية”، دون ذكر الكثير حول المحتوى المرغوب للقوانين، وكيف يمكن أن يؤثر على رغبة أو كفاءة تطبيقها. إضافة إلى ذلك، لا يوجد بالعادة ذكر لآليات التطبيق غير المتعلقة بالدولة وعلاقتها بآليات الدولة. وتم خلق الانطباع بأن جميع قرارات الصراع في الحياة الاقتصادية هي في المجال المحتوم للدولة. ويناقض هذا التعبير الدليل التجريبي (أنظر مثلاً، غريف 1997، غو وسوينين 2001، وولدمير 2001).
ويرتبط هذا التشويش بالعادة الناتجة عن المفهوم بأن السلع العامة غير تنافسية من ناحية استهلاكية، وغير حصرية (سامويلسون 1954: 387-89). فإذا توجب توفير هذه السلع من الأساس، فإن الضرائب والأساليب القسرية ذات الصلة بالدولة تعتبر ضرورية. على أية حال، أي من السلع تعتبر عامة بصدق؟ فهل أن نظام العدالة هو ملك الدولة لأن الخدمات ذات الصلة تعتبر سلعاً عامة؟ من الواضح أنه لا يمكننا أن نقول ذلك عن جميع مثل تلك الخدمات. عندئذ، أي من “خدمات العدالة” تشكل سلعة عامة؟ هل أن المنارة، المثال النصي المفضل حول السلعة العامة، هو سلعة عامة فعلاً؟ لقد أثبت رونالد كوز (1974) أن المنارات في بريطانيا القرن التاسع عشر كانت تدار وتمول من جانب القطاع الخاص. بيد أن هذا الاكتشاف على أية حال لم يمنع استمرار استخدام المنارة على أنها المثل الرئيسي حول السلعة العامة في العديد من النصوص (مثلاً ستيجليتز 1988: 75).
وعلى الأرجح أن هناك عدد أقل من السلع العامة في واقع الحياة مما يفترض عادة. ونتيجة لذلك، فإن النطاق الضروري (أو المرغوب) لنشاط الدولة يمكن أن يكون أضيق نطاقاً أيضاً. إن بعض السلع التي تم الإعلان عنها أنها “عامة” قد تكون في الحقيقة سلعاً خاصة تم دفعها إلى ملك الدولة عن طريق التدخل العام الذي ألغى أو خفّض احتمالية التمويل الخاص التطوعي لهذه السلع. وبعبارة أخرى، فإن بعض استخدامات المفهوم النظري للسلع العامة يمكن أن تشكل على نحو غير مقصود تبريرات سابقة متأخرة لنتائج التوسع السابق لنشاط الدولة.
إن مفهوم “التأثيرات الخارجية” يعاني من نقاط ضعف مماثلة. فمن السهل جداً الإشارة إلى أن المنافع الاجتماعية تكون أكبر من المنافع الخاصة (تأثيرات خارجية إيجابية)، أو أن التكاليف الاجتماعية تتجاوز التكاليف الخاصة (تأثيرات خارجية سلبية)، والمطالبة بالتدخل العام. لقد تم الإثبات أن هناك بعض التأثيرات الخارجية التي يمكن على الأقل أن تنتج من النواقص المؤسساتية، وهي حقوق الملكية المعينة بشكل غير مناسب (ميزس 1949: 654-63). وفي مثل تلك الحالة، لن يكون الحل بتدخل إضافي للدولة، إنما بإلغاء الحواجز التي تعيق تطور حقوق الملكية الخاصة. وعلى الأرجح أن يقتضي ذلك إلغاء بعض التدخلات السابقة للدولة. وتشير نظرية كوز (1960: 45-56) إلى الاحتمال بأنه يمكن معالجة بعض التأثيرات الخارجية بالمفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية.
فليس من المدهش إذا أن تشارلز وولف جونيور، وهو اقتصادي في مؤسسة راند، ينهي تحليله الشامل حول معالجة إخفاقات الأسواق في كتاب اقتصادي قائلاً “لا توجد معادلة لتأسيس الحد الأدنى الأساسي لبداية أنشطة ونتائج الحكومة” (وولف 1988: 153). وهذا الاستنتاج الجدلي بمثابة تلخيص عادل لموقف ما كُتب حول النطاق الأمثل لنشاط الدولة.
العودة إلى الأساسيات

يحدد أمارتيا سين (1999: 27) السبب الرئيسي الذي كان الاقتصاد لأجله غامضاً جداً من ناحية النطاق المرغوب للدولة: “لقد كان علم الاقتصاد يميل إلى التحرك بعيداً عن التركيز على قيمة الحريات إلى التركيز على قيمة المنافع، والدخول، والثروة. ويؤدي هذا التركيز الضيق الأفق إلى التقليل من شأن الدور الكامل لآلية السوق”.[2] ويعتقد سين كما يعتقد إف. إي. هايك (1960)، أن الاقتصاد تحرك كثيراً جداً في اتجاه الحكم على أفعال الدولة، في ضوء نتائجها المتوقعة، على حساب إضعاف الحالة الفكرية للحريات الأساسية للفرد كمعيار لرسم النطاق المقبول والمرغوب لنشاط الدولة. ويتم تعريف الحرية الاقتصادية على أنها “غياب الإكراه أو القيد الحكومي على إنتاج أو توزيع أو استهلاك السلع والخدمات أكثر من الحد اللازم للمواطنين من أجل حماية وصيانة الحرية ذاتها.” (بيتش وأودريسكول 2003). إن العناصر الرئيسية للحرية الاقتصادية هي حقوق آمنة للحقوق المملوكة بشكل قانوني، وحرية المشاركة في العمليات التطوعية داخل وخارج حدود الدولة، والتحرر من السيطرة الحكومية على الشروط التي يتعامل على أساسها الفرد، والتحرر من المصادرة الحكومية لحقوق الملكية (رابوشكا 1991، هانكي وولترز 1997). وهناك نوعان أساسيان للقيود على الحرية الاقتصادية: التنظيمات المقيدة والضرائب التي تتعدى المستوى الضروري لتمويل نطاق عملية الدولة المطلوبة لحماية الحريات الكلاسيكية للاقتصاد (والحريات الأخرى).[3]
لقد أضعفت التطورات التي حدثت خلال القرن العشرين بشكل خطير المركز الفكري والدستوري لحرية الاقتصاد في الغرب. أركز هنا على مثالين يشيران لنزعة أوسع نطاقاً. أولاً، في كتابه الذي يستشهد به على نطاق عريض، والمثير للإعجاب، يجادل جون راولز (1971) بعنف بشأن “مبدأ الحرية” على أنه المعيار الأكثر أهمية لتشكيل الحياة الاجتماعية ودور الدولة. وعلى أية حال، فإنه يستثني بعض العناصر الأساسية من حرية الاقتصاد (مثلاً حرية الدخول في مشاريع استثمارية) من قائمة الحريات التي يجب أن يكون لها الأولوية. وليس من المدهش أن يستخلص راولز أن اشتراكية السوق يمكن أن تكون النظام المؤسساتي المثالي. غير أن اشتراكية السوق يمكن صيانتها فقط إذا تم حرمان الأشخاص من حقوق ملكيتهم الخاصة، وبناء عليه، الحرية لخلق شركات خاصة. في حين لا تقتضي الرأسمالية المنع القانوني للمشاريع غير الخاصة (مثلاً المنظمات غير الربحية والتعاونيات). وبدلاً من ذلك، عندما يملك الأشخاص الخيار بين استثمار أموالهم ووقتهم وطاقتهم في شركة خاصة أو في تعاونية، فإنهم يختارون بشكل ساحق الأولى. لذا، فإن جوهر الرأسمالية هي حرية الاختيار، بينما تقتضي اشتراكية السوق منع المشاريع الخاصة (بالسيروفيتش 1995ب: 104-110). فكيف إذاً يمكننا اعتبار هذين النظامين منسجمين بشكل متكافئ مع “أولوية الحرية”؟
والمثال الآخر حول المركز المتراجع لحرية الاقتصاد في الغرب يتعلق بالتطورات الدستورية في الولايات المتحدة، البلد الذي يملك أقوى التقاليد الخاصة بالحكومة المحدودة. فمنذ أعوام الثلاثينيات، أخضعت المحكمة العليا الحريات الاقتصادية لحريات أخرى، على النقيض من التفسير الأصلي للدستور الأمريكي (دورن 1988: 77-83). وبإضعاف إجراءات الوقاية الدستورية التي تحمي الحرية الاقتصادية، فإنها مهدت الطريق أمام التنظيم المتزايد. وبعد سنوات، تم تحليل عواقب هذا التنظيم بشكل دقيق في كتب الاقتصاد، غير أن قلة من العلماء ربطت التنظيم المتزايد مع الإضعاف السابق للدفاع الدستوري للحرية الاقتصادية.[4]وحتى جورج ستيجلر (1971) في مقاله الذي شكل بذرة تطور مستقبلية حول الاقتصاد التنظيمي، لم يذكر مثل تلك الرابطة. وكما تشير هذه الأمثلة، فإن المفهوم الفلسفي لعبارة “الأولوية للحرية” دفاع فكري ضعيف جداً ضد دولة توسعية، إذا تم إقصاء الحرية الاقتصادية من قائمة الحريات، أو تنزيل درجة الحرية الاقتصادية إلى المرتبة الثانية. ستكون عندئذ الطريق للمضي قدما باتجاه تنظيم متزايد للاقتصاد مفتوحة تماماً. وسيكون هناك المزيد من الضرر إذا تم إعادة تشكيل مفهوم الحقوق الفردية بشكل جذري ليشمل الحقوق “الاجتماعية”، أو حقوق “الرفاه”. أما المفهوم الكلاسيكي للحرية بصفتها منطقة محمية من تدخلات أفعال الآخرين، فسيتم دمجها عندئذ مع مفهوم الأحقية بأموال الآخرين وتطبقه الدولة من خلال الضرائب المتزايدة.[5] وتكون النتيجة صراع بين هذين النوعين المختلفين جداً من الحقوق، وخطر حدوث مزيد من الإضعاف للحرية الاقتصادية بسبب الضرائب المتنامية الناتجة عن توسيع التحويلات الاجتماعية. وأفضل وسيلة لاحتواء الدولة عندما يتم إرساء الحريات الأساسية هي ضمن دستور فعال.[6] وهذه هي الحجة الرئيسية للاقتصاد المؤسساتي (بيوكانن 1988). بيد أنه سينظر إلى التخلي عن، أو إضعاف هذا الإطار، بشكل سلبي من جانب جميع أولئك الذين يعتقدون أن الحرية، بما فيها الحرية الاقتصادية، تملك قيمة جوهرية. ولهذا السبب يجب وضع حدود على نطاق نشاط الدولة، بغض النظر عن العواقب. على أية حال، قد يبدو لبعض الأشخاص وكأن العواقب هي التي تستخدم كمعيار رئيسي أو نهائي للحكم على النظام الؤسساتي الجديد، بما في ذلك أنظمة الدولة البديلة.[7] وهناك بعض الأشخاص أيضاً ممن لا يكونون حساسين سواء إزاء القيمة الجوهرية أو الحاسمة لحرية المرء الاقتصادية. ويأخذون في الاعتبار سلطة الدولة (الأمة) للقيمة الجوهرية (أو القيمة السلبية للسوق الحرة)، بغض النظر عن العواقب.[8]
الدول المحدودة والممتدة وعواقبهما

هل هناك فترات تناوب بين الحرية الاقتصادية ومتغيرات أخرى مثل النمو الاقتصادي، العامل ذو الصلة باجتثاث الفقر، ونطاق بعض الظواهر مثل نسبة الأعمال التي تم إعلانها بأنها تعتبر جريمة أو فساداً؟ هل نحن بحاجة إلى قيود تفرضها الدولة على الحرية الاقتصادية من أجل الحصول على أكبر قدر من الأشياء الجيدة، وأقل ما يمكن من تلك السيئة؟
دعوني أضع كإشارة مرجعية دولة محدودة تركز على حماية الحريات الأساسية، بما فيها تلك الاقتصادية. فإذا كانت هذه الدولة ديمقراطية، عندها تكون عملية سيادة الأغلبية محددة بتلك الحريات، التي تفترض مسبقاً أنها—أي الحريات—مشمولة في دستور فعال. إن المتطلب المحدد الذي ركزت عليه الدولة المتمثل في حماية الحريات الأساسية يتضمن أنها لا تستطيع التوسع في الأشكال والتوجيهات التي تحد من هذه الحريات، لذا يجب أن تكون تلك الأشكال والتوجيهات محددة.[9] على أية حال، فإن الدولة المحدودة فاعلة في مهامها الدستورية المتمثلة في حماية الحريات الأساسية للأفراد ضد تدخلات الغير.
ويوجد العديد من الدول التي يمكن أن تمثل على نحو أكثر أو أقل الابتعاد الجذري عن هذا الأنموذج. وأركز هنا على ثلاث فئات عريضة: (1) الدولة الممتدة شبه الليبرالية، (2) الدولة الممتدة غير الليبرالية؛ (3) الدولة الممتدة المناهضة لليبرالية (الشيوعية).
ففي الحالة الأولى، تشتمل التوسعات على مجموعات مختلفة من التنظيم وإعادة التوزيع، والتي تنطوي على فقدان جزء من الحرية الاقتصادية دون التقليل من شأنها، على أية حال. لهذا السبب أطلق على هذا الأنموذج عبارة شبه الليبرالي. إن الحرية الاقتصادية المقيدة محمية بشكل جيد منطقياً بواسطة النظام القضائي.
وفي نظام الدولة الممتدة غير الليبرالية، تكون الحرية الاقتصادية مقيدة بواسطة تنظيمات أكثر من الحالة السابقة، غير أن الاستثمار الخاص غير محظور. ولكن التحويلات الاجتماعية في المقابل أقل. ومستوى حماية الدولة للحرية الاقتصادية المتبقية أدنى بكثير من تلك التي تمنحها الدول شبه الليبرالية.
وأخيراً، تكون المشاريع الاستثمارية الخاصة في الدولة الشيوعية محظورة، ويكون هذا الحظر فاعلاً بدرجة كبيرة بسبب صرامة تطبيقات الدولة. إن الحظر الفاعل لمشاريع الأعمال الخاصة يخلق فراغاً يجب تعبئته بواسطة الاقتصاد الذي تتولاه الدولة. ويجب على الدولة الشيوعية المناهضة لليبرالية بناء على ذلك أن تمتد بشكل هائل. وهذه حاجة وظيفية (بالسيروفيتش، 1995ب: 51-54). وفي المقابل، لا تحتاج إلى تضمين نظام خاص من التحويلات الاجتماعية الكبيرة، وبالفعل كانت في النموذج الماوي محدودة جداً.
لنستخدم الآن هذا الأنموذج لإبداء بعض الملاحظات حول تأثير القيود المختلفة للحرية الاقتصادية على النمو الاقتصادي طويل الأجل، وعملية اجتثاث الفقر ذات الصلة. توجد في أوقاتنا المعاصرة أمثلة قليلة حول الدولة المحدودة (كانت هونغ كونغ التقريب التجريبي الأقرب). وتشير الدلائل التاريخية بقوة إلى أن أنظمة السوق الليبرالية، والتي كانت فيها الدولة محدودة بواسطة القانون، أظهرت نمواً قياسياً جيداً جداً (رابوشكا 1985).
تقع جميع الاقتصادات المتقدمة في هذا التصنيف المتمثل في الدول الممتدة شبه الليبرالية، ولكنها تمثل مجموعات مختلفة من التنظيمات وإعادة التوزيع. كما تختلف أيضاً في كثافة الظواهر السلبية المختلفة. لنأخذ على سبيل المثال، البطالة طويلة الأجل، وعليك بطرح السؤال الأساسي: هل يمكن ربط مثل تلك البطالة بعملية السوق؟ أو بالأحرى، هل هما مرتبطان بالتدخلات العامة النموذجية بالدول الممتدة شبه الليبرالية؟ تحاول وجهة نظر إخفاق السوق أن توضح البطالة بالميل المزعوم من جانب أصحاب العمل لتحديد الأجور بمستوى أعلى من أجور السوق، مسببين بذلك البطالة (إيكرلوف 1982). على أية حال، لا تستطيع هذه النظرية توضيح سبب اختلاف مستويات البطالة طويلة الأجل عبر بلدان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. أما وجهة النظر الثانية، والتي تنتج فيها البطالة عن تدخلات الدولة (إي من إخفاق الحكومة)، فهي أكثر إقناعاً بكثير. وبالفعل، هناك كتب تجريبية واسعة النطاق تربط البطالة طويلة الأجل (ومستويات العمالة أيضاً) مع تلك الملامح البارزة للدولة الممتدة في الوقت الذي تعمل فيه كل من التأمينات ضد البطالة، والضرائب العالية (الناتجة عن التحويلات الاجتماعية الكبيرة)، وصرامة الأجور التي أنتجتها أنظمة المساومة الجماعية التي تم خلقها ببعض الدعم من جانب الدولة، والقيود القانونية، جميعها على إعاقة دخول الشركات وعمليات أسواق العمل، والإسكان، والمنتجات.
ينتمي الأشخاص العاطلون عن العمل لفترة طويلة إلى فئة الأشخاص المحرومين الذين يجب أن تكون لمصالحهم الأولوية وفقاً لراولز (1971). ومع ذلك، فإن ما يدعو إلى المفارقة هو أن التدخلات النموذجية لدولة الرفاه الممتدة شبه الليبرالية توسع حجم البطالة أيضاً. وأنا شخصياً لا أقول هنا أن أي عامل متغير للدولة ينتج بالضرورة بطالة طويلة الأجل. ولا يجب أن يكون ذلك صحيحاً بلا شك، كما أثبت ذلك الأداء الأخير لكل من بريطانيا العظمى، والولايات المتحدة، والدنمارك، وإيرلندا. وما يمكن أن يقال بهذا الصدد هو أن تخطّي حدود الدولة المحدودة (مثلاً إضعاف أو إلغاء الآليات التي تقيد توسع الدولة) يخلق مخاطر التدخلات إلى جانب تأثيرات مختلفة غير مرغوب فيها،[10] ودون تحقيق الأهداف المعلنة في الوقت ذاته.[11]
يوجد في معظم البلدان النامية نظام غير ليبرالي أو شبه ليبرالي، وتختلف على نطاق واسع في مدى الحرية الاقتصادية، وفي مستوى حماية الدولة لتلك الحرية. ولم ينته بعد الجدل حول أسباب الاختلافات في أداء النمو، بيد أنني اعتقد أنه لا يوجد شك بأن النطاق الأوسع للحرية الاقتصادية المحمية جيداً أمر جيد للنمو، في حين أن القيود التي تفرضها الدولة على تلك الحرية تنتج عواقب كارثية (أنظر سكولي 1992، هانكي وولترز 1997، كيفير وناك 1997، دولار وكراي 2000). وفي العالم النامي لا يوجد تعاقب بين الحرية الاقتصادية والازدهار—إن التضحية بالحرية يعني التضحية بالازدهار. ونفس النتيجة يمكن سحبها من خبرة الاقتصادات الانتقالية (بالسيروفيتش 2002).
وقد حققت مجموعة من الاقتصادات النامية في شرق آسيا نمواً اقتصادياً سريعاً استثنائياً، وتوفر تلك أرضية اختبار إزاء الفرضيات المتنوعة حول الدور ذي العلاقة بالدولة والسوق. فهل يمكن توضيح هذه الاقتصادات المعجزة بوجود تدخلات خاصة نوعاً ما من جانب الدولة غير الليبرالية (مثلاً الائتمان الموجه، والتحول الصناعي الذي تقوده الدولة)؟ إن وجهة النظر هذه يمكن دحضها بسهولة. حيث اختلفت الأنظمة “المعجزة” من حيث نطاق تلك التدخلات. ولكنها تملك أمراً واحداً مشتركاً—تراكم استثنائي للأساسيات الاقتصادية المتمثلة بالدولة المحدودة: اقتصاد مفتوح نسبياً، مستوى ضرائب متدنٍ، ومشاريع ريادية خاصة (بالسيروفيتش 1995أ: 26-27؛ للحصول على النتائج التجريبية أنظر كويبريا 2002).
أما وجهة النظر الماركسية بأن الملكية الخاصة والأسواق الحرة هي بمثابة عوائق أمام التطور الاقتصادي، فقد عملت الخبرة على دحضها بقساوة. فلا توجد حالة واحدة تمثل اقتصاداً بعيداً عن السوق تهيمن عليه الدولة تبين أنه قد حقق نجاحاً. فالتضحية الأكبر بالحرية أدت إلى تضحية كبيرة بالازدهار. وبإمكان المرء أن يتساءل كيف يستطيع هذا العدد الكبير من الاقتصاديين دعم مزاعم قابلية الاقتصاد على النمو، أو حتى تفوُّق الاشتراكية، وبغض النظر عن التحذيرات الآتية من جانب ميزس وهايك.[12]
وقمت بالتركيز على الروابط بين القيود على الحرية الاقتصادية وبعض نواحي الأداء الاقتصادي. وعلى أية حال، هناك بعض المتغيرات الأخرى المهمة، مثل حجم الجريمة والفساد والتهرب الضريبي، فضلاً عن حجم اقتصاد الظل. فكيف تتعلق هذه المتغيرات بنوع الدولة؟
دعونا نلتفت إلى فكرة الجرائم الأساسية، بصفتها تصنيف للأفعال المعلن أنها جرائم في كل مجتمع حديث (القتل، والاعتداء، والسرقة، والاغتصاب). إن توسيع الدولة يميل إلى خلق قائمة من الجرائم الثانوية (فريدمان [ميلتون] وفريدمان [روز] 1984: 136). إن القيود التي تحظر توريد سلعة معينة عليها طلب كبير لا تعمل على إحداث جرائم ثانوية فحسب، إنما يعمل بعضها أيضاً على تحفيز جرائم أساسية (مثلاً أفراد العصابات الذين يقتلون بعضهم البعض وأفراد الشرطة). وتُعتبر قوانين المنع في الولايات المتحدة خلال أعوام العشرينيات حالة مذهلة بهذا الصدد. إذ عملت التحويلات الاجتماعية المتزايدة، والتي كانت السبب الرئيسي لانفجار الإنفاق العام في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، على زيادة الضرائب، وزادت من نطاق الجرائم المرتبطة بالضرائب، وخلقت اقتصاد الظل.
ومثلت الشيوعية حالة متطرفة من تجريم النشاط الإنساني: إذ أُعلن أن أي نشاط تجاري خاص يعتبر جريمة كبرى، وتم تجريم النشاط السياسي المستقل أيضاً.[13]
تبين الحالة الشيوعية بطريقة جذرية أن تطبيق القانون ليس قيمة بحد ذاته. إن السؤال المطروح هنا—هل هو تطبيق (حماية) الحريات الأساسية أم تطبيق القيود على تلك الحريات؟ وإضافة إلى السؤال الأخلاقي حول محتوى القانون وقيمة تطبيقه، هناك مشكلة تتمثل في أن النظام القضائي المثقل، وتطبيق قيود لا حصر لها على الحرية الاقتصادية لن يكون كلاهما قادراً على منع زيادة تدهور الحريات الاقتصادية.
فالدولة المحدودة لا تعطي الأفراد النطاق الأوسع المحتمل للحرية الاقتصادية فحسب، إنما أيضاً تكون قادرة على حماية تلك الحرية بشكل أفضل من دولة عالية التنظيم.
لنتجه الآن للحديث عن الفساد. لقد ربطت الأبحاث التجريبية الشاملة نطاق الفساد لمجموعة متنوعة من العوامل تميز على الأقل بعض أنواع الدول الممتدة: التنظيمات المقيدة وسلطة السياسيين والبيروقراطيين العامين الاستنسابية ذات الصلة، والعبء الكبير للضرائب الاسمية، والنطاق الكبير للمشتريات العامة (أنظر روز-إيكرمان 1999، تانزي 1998، ودجانكوف وآخرون 2002). والعامل الوحيد الأكثر أهمية هو على الأرجح نطاق التنظيمات المقيدة والقرارات الإدارية، والتي يمكن أن تكون نتاج السياسيين الشعبيين (أو الفاسدين)، ومرتبطة بالاستنسابية العالية التي تتمتع بها الإدارة العامة. إن ما يحد الحرية الاقتصادية بشكل خاص وبالتالي يضر بالنمو هو ما يعتبر في الوقت ذاته مفضياً إلى الفساد.[14]
إن العلاقة بين الضرائب والفساد أكثر تعقيداً. إذ أن أعباء الضريبة الاسمية والفعالة يمكن أن تتعايش مع مستوى متدنٍ نسبياً من الفساد إذا كان العبء التنظيمي خفيفاً والاستنسابية البيروقراطية محدودة. وتوضح البلدان الاسكندنافية على نحو أفضل هذه العلاقة. وعلى أية حال، فإن رفع الضرائب من المستويات العالية فعلياً يمكن أن يخلق على المدى الطويل خطر التآمر المفسد بين بعض مسؤولي الضرائب، وعدد من دافعي تلك الضرائب. إضافة إلى ذلك، تميل الضرائب الاسمية العالية إلى إحداث تهرب ضريبي معتبر، وينبع ذلك جزئياً من النشاط غير المسجل المنتمي إلى اقتصاد الظل (شنايدر وإينستي 2000: 77-114). وأخيراً، فإن التحويلات الاجتماعية الشاملة الكامنة خلف العبء الضريبي الكبير، تميل إلى إحداث، إما منفردة، أو بشكل مشترك مع هذا العبء، تطورات متنوعة غير مفضلة مثل كمية العمل المنخفضة، وادخارات خاصة أدنى، وسوء استعمال الأموال العامة من قبل المستفيدين، وثقافة الاعتماد (نيسكانين 1996، هانسن 1997، أرسيا 2000).
وفي حين أن الضرائب الاسمية العالية والفعالة يمكن أن تكون مرتبطة مع المستوى المتدني نسبياً للفساد، فإن العبء الضريبي الفعال الذي يكون أدنى من ذلك الاسمي يرتبط بشدة بالفساد الشامل. وسبب ذلك الأمر بسيطاً جداً: إن الضرائب الفعالة أدنى لأن دفعات الرشوة إلى مسؤولي الضرائب (وربما لمن يناصرونهم) تحل جزئياً محل دفعات الضرائب. إضافة إلى ذلك، فإن المسؤولين المكلفين بالتنظيمات يطالبون بمزيد من الرشاوى. وبناء عليه، فإن الدولة التنظيمية والاستنسابية بدرجة عالية تميل إلى إنتاج عبء ضريبي متدني الفعالية، ودفعات رشاوى كبيرة.[15] ومن أجل ذلك السبب لا ينبغي أن تكون الضرائب الفعالة المتدنية مرتبطة بقوة بالنمو الاقتصادي السريع. إن ما يهم بالنسبة للنمو، ليس العبء الضريبي الفعال فقط، إنما أيضاً مبلغ الضرائب والرشاوى المدفوعة على نحو فاعل. إن تركيبة هذا المبلغ تختلف بحدة عبر أنظمة الدول المختلفة، ويمكن أن تخدم كمؤشر لطبيعتها. دعوني ألخص هذا القسم بالنقاط التالية:
 من الصعب تبرير القيود على الحرية الاقتصادية الفردية بواسطة الأداء الاقتصادي المحسن. ويبدو أن العكس هو الصحيح: كلما كان التوسع جذرياً أكثر، كان الضرر الاقتصادي الذي ينتجه أكبر. والتضحيات الكبيرة بالحرية الاقتصادية تجلب خسائر كبيرة في الازدهار. وهذا الأمر صحيحاً بدرجة تتعدى حدود الشك في الدول الشيوعية وأيضاً في الأنظمة غير الليبرالية للعديد من البلدان النامية. إن واحداً من الملامح الرئيسية لهذه الأنظمة هو الإفراط بالتنظيم بطبيعة سلبية (دجانكوف وآخرون 2002). إن السؤال المناسب الذي يجب طرحه هو كيفية إعادة هيكلة هذه الدول بحيث تتوقف عن توليد الفقر، وعدم المساواة، والفساد. وحتى في حالة الأنظمة شبه الليبرالية النموذجية بالغرب، فإن البطالة طويلة الأجل، وهي مرض اجتماعي خطير، ترتبط بتدخلات الدولة المتنوعة.
 يمكن أيضاً ربط الأشكال المتنوعة لتوسع الدولة بنسبة الأفعال التي يمارسها الفرد والتي أُعلن أنها أفعال إجرامية، وبالفساد، وبالتهرب الضريبي، وباقتصاد الظل.
 يمكن أن تسبب التنظيمات المقيدة ضرراً أكبر من إعادة التوزيع. إذ أن التنظيمات الشاملة تنتج بالضرورة شللاً اقتصادياً وفساداً واسع الانتشار. كما يمكنها أيضاً أن تضعف إجراءات حماية الدولة لتلك الحريات الاقتصادية التي ما تزال باقية. وبعيداً عن المسائل الأخلاقية، بإمكان المرء أن يقول أن الحد العقلاني لإعادة التوزيع تحدده صحة المتطلبات المالية، وبالمعرفة أن دفعات التحويل الحكومية يمكن أن تقلل كمية العمالة. وتشير الأخيرة إلى أنه، على سبيل المثال، من الأفضل إنفاق مبلغ معين على التعليم الأساسي، بدلاً من التأمين ضد البطالة.
 إن الانحرافات العديدة عن الدولة المحدودة تعمل على زيادة عدد الأشخاص المحرومين لأن الحكومة المفرطة تنتج الفقر، والبطالة طويلة الأمد. إن المؤمنين بمبدأ راولز، والذي يفيد بأن مصالح مثل أولئك الأشخاص يجب أن تكون لها الأولوية، يجب أن يكونوا مرهقين من الدول الممتدة.
هل يملأ توسع الدولة الفجوة أم يعمل على حشد الأنشطة غير المتعلقة بالدولة؟
يمكن مقابلة هذه النقاط المهمة المتعلقة بتوسع أنشطة الدولة باعتراضين مرتبطين:
1- كان التوسع لتلبية حاجة؛ لذا فهو مبرر إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، يدعي ريتشارد ماسغريف (2000: 231) أن “تراجع الروابط العائلية، وتقلب دورة الأعمال، والسوق المتغيرة” خلقت “حاجة متنامية لمؤسسات جديدة تقدم الدعم”، وبناء عليه كانت “نهضة القطاع العام استجابة لهذه العوامل وليس بسبب عامل المبادرة”.
2- بدون تدخل الدولة، كان سيوجد فراغ؛ ولن تتم تلبية حاجات معينة، وسيكون الناس أسوأ حالاً.
تتعلق النقطة الأولى بأسباب توسع الدولة، والثانية بتأثيرات هذا التوسع. وتتمثل المشكلة في النقطة الأولى في أنه حتى بوجود مثل هذا المفهوم المرن وهو “الحاجة”، إلا أنه سيكون منافياً للعقل تفسير أشكال أكثر جذرية من الدولة المتوسعة، مثل الشيوعية، أو دكتاتورية موبوتو. وعلى أية حال، فإن نظرية الحاجة لتوسع الدولة هي أيضاً مسببة للمشاكل فيما يتعلق بالانتقال من الأنظمة المحدودة إلى شبه الليبرالية. حاجات مَن هي التي مِن المفروض القوة الدافعة، وكيف يمكننا قياسها؟ وكيف يستطيع المرء أن يربط النمو غير المتساوي للأنظمة والتحويلات بالحاجات؟ من المذهل أن التحويلات الاجتماعية في البلدان المتقدمة لم تنمُ تدريجياً إنما انفجرت خلال فترات قصيرة معينة (تانزي وسكوكنيكت 1997). كما تتميز أنواع معينة من التنظيمات بصدمات ديناميكية مماثلة، على الأخص تلك التنظيمات المتعلقة بالنظام المالي (ألن وغيل 2000). وما يثير الشك هو أن أي مفهوم منطقي للحاجات يمكنه أن يفسر ذلك النمط من نمو التحويلات والأنظمة. إن نظرية الحاجة لتوسع الدولة هو محاولة غير مقنعة لتفسير هذه الحقيقة بالعودة إلى المفاهيم النفسية الزائفة أو الأسواق الزائفة. وفي أسوأ الأحوال، فهي لا تتعدى حدود الاعتذار لوجود دولة ممتدة.
والنقطة الثانية بأنه بدون تدخل الدولة ستكون هناك “فجوة” تجعل الناس أسوأ حالاً، تمثل اتجاهاً سائداً لمنهج اقتصاديات الرفاه نحو مسألة النطاق الأمثل لنشاط الدولة. لقد ناقشت سابقاً مشاكل التطبيقات العملية للمفاهيم النظرية للسلع العامة والتأثيرات الخارجية. وأضيف نقطتين هنا. الأولى هي أن النشاط غير المتعلق بالدولة لا يمكن تخفيضه إلى عمليات السوق الموجهة للربح. كما أنه يشتمل على تدابير مساعدة ذاتية أو متبادلة. وكل من عمليات السوق الموجهة للربح وتدابير المساعدة المتبادلة تنطوي على تعاون اختياري. وبناء عليه، حتى لو استطاع المرء أن يثبت أن السوق لا يستطيع أداء وظيفة مفيدة معينة، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه ينبغي على الدولة أن تؤدي هذه الوظيفة.
ثانياً، يقيد توسع الدولة نطاق التجربة المؤسسية (هايك 1960). ويتفق علماء الاقتصاد على أن توسع الدولة ينتج تأثيرات حدية محتشدة في الحالات الأقل تطرفاً، ناهيك عن الذكر الأنظمة المناهضة لليبرالية أو غير الليبرالية. لنأخذ ضوابط الأسعار على سبيل المثال، والتي تؤدي إلى نقص وترشيد في السلع. إن هذا يمثل تدخلاً عاماً أولياً. فإذا كان معدل العائد الناتج أقل من الحد الذي يتوقعه المستثمرون من القطاع الخاص، فإن الاستثمارات العامة ستملأ الفجوة. ويمثل هذا تدخلاً ثانياً. لا يسبق وجود الفجوة تدخل القطاع العام، إنه يخلقها. والمثال النموذجي بهذا الصدد هو الإسكان، حيث تولِّد الضوابط على الإيجار الإسكان “الاجتماعي”.
وبشكل عام، بإمكان المرء تخطيط نموذج بسيط من نشاط الدولة الممتد ذاتياً والذي يبدأ بتدخل أولي ناتج عن التفاعلات المختلفة للضغوطات السياسية المتعلقة بأيديولوجيات المنادين بالدولة ومجموعات المصالح. وحالما يتم إدخاله، فغالباً ما يؤدي هذا التدخل إلى تدخلات أخرى ثانوية بسبب الحاجات الوظيفية—أي الضغوطات العاملة بغض النظر عن النوايا المسبقة لصناع القرار. على سبيل المثال، إذا ألغى التدخل الأولي ربحية استثمارات القطاع الخاص في الإسكان، ولكن ما زالت هناك حاجة للمساكن، فإن الاستثمار العام في الإسكان سيكون ضرورياً.
وهذا المخطَّط البسيط يمكن أن يساعد في توضيح احتشاد نشاط القطاع الخاص في هذه المجالات التي تأخذ فيها الاقتصاديات التقليدية عادة مسألة حضور الدولة أمراً مسلماً به بسبب “عيوب السوق”. لنأخذ التعليم على سبيل المثال. قبل إدخال التعليم “المجاني” والإلزامي في المدارس العامة، كان لكل من انجلترا، وويلز، والولايات المتحدة شبكة كثيفة من المدارس الابتدائية التي تعتمد على دفع الرسوم، بتمويل من أولياء الأمور العاملين والكنيسة. وكانت نسبة صافي الدخل القومي الذي ينفق على يوم مدرسي للأطفال من كافة الأعمار في إنجلترا في عام 1833 قرابة واحد في المائة. بحلول عام 1920، عندما أصبح التعليم “مجانياً” وإلزامياً، انخفضت النسبة إلى 0.7 في المائة (ويست 1991). فالمدارس العامة “المجانية” (بتمويل من الضريبة)، التقطت الحاجة إلى التعليم، ونتيجة لذلك، انهارت إمدادات الخدمات التعليمية المدفوعة الرسوم غير المتعلقة بالدولة. وهذا الالتقاط للطلب حجب أيضاً التطورات التعليمية المبتكرة غير المتعلقة بالدولة.
ويؤكد إدوين ويست (1991) أنه “باستثناء ماركس وإنجلز، كان الاقتصاديون السياسيون حتى منتصف القرن التاسع عشر يفضلون توفير التعليم في سوق حرة خاصة،” لأنهم نظروا إلى دفع الرسوم على أنه “الأداة الوحيدة التي بواسطتها يستطيع أولياء الأمور المحافظة على المنافسة المرغوبة بين المعلمين والمدارس النشطة”. وأوصى جون ستيوارت ميل بإجراء الامتحانات الإلزامية ولكن ليس التعليم الإلزامي.
أو لنأخذ في الاعتبار المخاطر الفردية مثل البطالة. إن مثل تلك الأحداث غالباً ما يتم تقديمها على أنها السبب المنطقي للتأمين “الاجتماعي” الممول من الدولة. وعادة ما يعزز هذا الإدعاء الإشارة إلى العيوب التي تشوب أسواق رأس المال. وعلى أية حال، فإن الخطوة الأولية هي تقليل جميع تلك المخاطر المختلفة الشاملة التي لا تنتجها الطبيعة. إن المخاطر المختلفة الشاملة تولدها سياسات الدولة الممتدة التي تجلب الأزمات المالية، والتضخم عالي المستوى، ونسبة البطالة العالية. إن منع مثل تلك السياسات، بوساطة الانتقال من الدولة الممتدة إلى الدولة المحدودة، يمثل التأمين الاجتماعي الأمثل والذي لا غنى عنه.[16]
علاوة على ذلك، فإن مثل ذلك الإصلاح سيعمل على تسريع نمو الدخول الفردية والادخارات، ويعزز بناء عليه قدرة الأشخاص على التأقلم مع المخاطر المتنوعة. إضافة إلى ذلك، تظهر الدراسات التجريبية وجود مجموعة “استراتيجيات تأقلم” غير رسمية في البلدان الفقيرة (مثلاً التبادل العكسي للهدايا والقروض والحوالات من أفراد الأسرة المهاجرين)، واحتمال كبير على نحو مدهش لمزيد من التدابير المعاصرة غير المتعلقة بالدولة التي تشجع الادخار وتقدم الضمان والقروض الصغيرة (موردوخ 1999). وكانت هيئات التأمين الطوعية تنتشر في البلدان الغربية إلى حين إدخال التأمين الاجتماعي الإلزامي. على سبيل المثال، كانت العضوية المسجلة للجمعيات الودية 2.8 مليون في عام 1877، و4.8 مليون في عام 1897، و6.6 مليون في عام 1910 (غريف 1985). وقد تم التأكيد أن “البرامج التي تديرها الحكومة مباشرة تميل إلى أن تنطوي على صعوبات ملازمة في توليد الامتثال من جانب المشاركين”، وأن “هذا برهن أنه كارثياً على الاستدامة طويلة الأجل لبرامج الائتمان العامة” (موردوخ 1999: 210).
إن توسيع التأمين الاجتماعي الممول من الدولة يمكن أن يحشد تدابير تقليدية، ويمنع تطور اتفاقات أكثر حداثة. وتم الإقرار بصراحة بهذا الخطر في تقرير حديث للبنك الدولي (2002: 24): “إن المنافسة من جانب الحكومة في توفير التحويلات الاجتماعية يمكن أن تدفع بالاتفاقات المؤسسية للقطاع الخاص بعيداً… والتي يمكن توجيهها على نحو أكثر فاعلية نحو الفقراء بدلاً من المساعدة الاجتماعية سهلة المنال (العامة)” وهذا ما حدث فعلياً في الغرب بسبب نهضة دولة الرفاه.
إن التحويلات الاجتماعية المفروضة من الدولة يمكن أن يلتقطها جزئياً أولئك الأفضل حالاً، ويمكن أن تحشد التدابير الطوعية التي تفيد الفقراء. ونتيجة لذلك، فمن الممكن تخيل أن برامج التحويلات التي تديرها الدولة في البلدان الفقيرة يمكن أن تجعل مشكلة الفقراء أسوأ. وفي مثل تلك الحالة، فإن دولة الرفاه تدفع مجتمع الرفاه بعيداً. وينبغي أن يتذكر المرء أن الإنفاق الاجتماعي المتزايد الممول من الضرائب قد يعيق النمو الاقتصادي وخلق الوظائف ذات العلاقة.[17]
وفي النهاية، فإن نمو التنظيمات المالية تفسر بوضوح كيف تؤدي التدخلات الأولية إلى تدخلات ثانية، وتخلق بذلك جرعة كبيرة من تنظيمات الدولة، والتي أفضليتها مفتوحة للنقاش. إن دور التدخلات الأولية يمكن أن ينسب إلى تأمين الإيداع الوفير الذي ألغى إلى حد كبير نظام السوق (أي حافز المودعين لمراقبة البنوك فيما يتعلق بمستوى رأس مالهم، وطلب الإفصاح الكامل). إن الفجوة التي تم خلقها ولدّت موجة من التنظيمات الثانوية، مثل نسب ملائمة رأس المال الحساسة للمخاطر، وتقييد المحفظة المالية للبنوك واستخدام الديون الثانوية كأداة مراقبة (باتاشاريا وآخرون 1998، دود 1996، بينستون وكوفمان 1996). وهذه الأنظمة الحذرة هي من حيث المبدأ رد فعل عقلاني لحالة خلقها التدخل الأولي العام.
خـــــاتمة
لا يعطي الاقتصاد إجابة واضحة على السؤال ما الذي يجب على الدولة أن تفعل. والسبب التقريبي هو الصعوبة في تطبيق المفاهيم النظرية الأساسية، كتلك المتعلقة بالسلع العامة والتأثيرات الخارجية على العالم الحقيقي. والسبب الأعمق هو إغفال الحريات الاقتصادية الأساسية، بصفتها الإطار لتحديد حدود نشاط الدولة. وحتى في البلدان الغربية، فإن الموقع الفكري والمؤسساتي للحرية الاقتصادية تمت إزالته بشكل خطير خلال القرن العشرين، مما مهد الطريق أمام الدولة الممتدة.
إن توسع نشاط الدولة—أي نمو القيود المفروضة من الدولة على الحرية الاقتصادية—من الصعب تبريره من قبل الأداء الاقتصادي المحسن. ويبدو أن العكس هو الصحيح: كلما كان التوسع أكثر جذرية، كان الضرر الاقتصادي أكبر. ويمكن ربط الأشكال المتنوعة لتوسع الدولة بالفساد، والتهرب الضريبي، واقتصاد الظل، وضعف حماية الدولة للحرية الاقتصادية المتبقية. وتميل الانحرافات العديدة عن الدولة الممتدة إلى زيادة حصة الأشخاص الأكثر حرماناً، مثل البطالة طويلة الأجل.
ويجب أن لا يؤخذ كأمر مسلم به بأنه إذا بقيت الدولة محدودة (أي تركز على حماية الحريات الأساسية) فإنه لن يتم توفير خدمات معينة، وسيكون الناس أسوأ حالاً. إن احتمال التعاون الاختياري، والذي يتضمن كل من عمليات السوق الموجهة إلى الربح وتدابير المساعدة المتبادلة، يجب أن لا يتم التقليل من شأنه. كما توجد استراتيجيات تأقلم فردية متنوعة. وفي الواقع، فإن توسع الدولة يمكن أن يدفع الأنشطة غير المتعلقة بالدولة بعيداً، ويمنع تطور تدابير جديدة، وربما مفيدة للقطاع الخاص. ويوجد بناء على ذلك، دافع قوي للاعتراف بأن الدولة المحدودة هي الدولة الأمثل.
لقد شهدت العشرون عاماً الماضية ميلاً للتحرك بعيداً عن الدول الممتدة باتجاه دول أكثر تحديداً. ويبين ذلك أن مهمة تحديد نطاق نشاط الدولة، وبالتالي تحرير التعاون الاختياري المحتمل والمبادرات الفردية ليس مستحيلاً، رغم أن الانتقال ما زال بعيداً عن الاكتمال ومحفوفاً بالصعوبات. وسيكون هناك دوماً بعض الأشخاص ممن يرون منافع (تتعلق بالنفوذ والريع الاقتصادي) في تحديد حرية الأشخاص الآخرين. وسيكون هناك بعض الأيديولوجيين ممن يربطون القيمة العاطفية مع سلطة الدولة، أو عدم الثقة بالتعاون الاختياري.
ويجب على المرء أن يستغل كل لحظة ممكنة لتثبيت وجود رؤية لدولة مقيدة بواسطة إطار الحريات المختلفة الأساسية ضمن دستور فعال. وهناك محددات أخرى على استنسابية الدولة تعمل على تفويض الدفاع عن الحرية الفردية. ويمكن أن تساعد القيود المالية المؤسسية في الحد من النمو في الإنفاق العام، وبناء عليه من الضرائب. وتمنع استقلالية البنك المركزي العودة إلى التمويل التضخمي لعجز الميزانية، وتحمي بذلك الأفراد من فرض ضرائب التضخم. وتحد العضوية في منظمة التجارة العالمية استغلال البلدان للإجراءات الحمائية، وتساعد على حماية المستهلكين ودافعي الضرائب المحليين. يجب إدخال، أو تعزيز هذه الدفاعات، وكذلك دفاعات الخط الثاني.
ملاحظات:
[1] أنا شخصياً أركز على كتاب ستيجليتز (1988) حيث أنه يمثل النوعية الأفضل ضمن هذا المنهج. أما الكتابات الأخرى فسوف تثير معارضة أكثر.
[2] يستخدم سين مصطلح “الحرية” في معناها الكلاسيكي، أي الحريات الأساسية. وفي أقسام أخرى من كتابه، يعيد سين تشكيل معنى هذا المصطلح بطريقة تشمل السلع الأخرى. وهذا الاستخدام الموسع يحجب معنى الحرية.
[3] تعتبر هذه تعريفات للقيود على الحرية الاقتصادية، وليس البيانات الأساسية حول أي القيود (إذا وجدت) تعتبر مبررة. للحصول على المزيد حول ما يشكل القيود أو التدخلات.
[4] غليسر وشلايفر (2003) يجادلان بالقول أن التنظيم المتزايد لقطاع الأعمال في الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين ربما كانت “رداً فاعلاً” على تدمير العدالة في المحاكم بواسطة الشركات الكبيرة التي برزت حديثاً. إن مسألة ما إذا كانت المحاكم أكثر سهولة في التدمير من المُشرِّعين والمُنظِّمين هي مسألة تجريبية مخادعة. وحتى لو بدا انه خلال فترة ما كانت المحاكم “مأسورة” من قبل الشركات الكبيرة، فليس من المؤكد أن الاستراتيجية الأفضل هي سن تشريع تنظيمي معين، وخلق هيئات تنظيمية خاصة بدلاً من تعزيز المحاكم التي تعمل ضمن إطار تشريعي أكثر عمومية. وأنا شخصياً افترض أنه في ضوء التوسع التنظيمي، وحل التنظيم اللاحق، فعلى الأرجح أن يوافق حتى المؤيدين للرد التنظيمي على أن وجود إجراءات وقاية دستورية أقوى تحمي الحرية الاقتصادية سيكون مناسباً. وفي ملاحظة اكثر عمومية، أرغب في أن اؤكد على أن مسألة المحاكم مقابل المنظمين هي مسألة ثانوية في الإجابة على التساؤل حول ما يجب أن تكون عليه الحدود على الحرية الاقتصادية، أو ما هي العوامل التي يجب أن تتجاوز حقوق الملكية.
[5] يشير هولمز وسنستين (1999) إلى أن كلا النوعين من الحقوق ينطويان على تكلفة مالية، وبناء عليه، فإن التمييز بين حقوق الحرية وحقوق الرفاه الاجتماعي ليس أساسياً. على أية حال، لا أحد ينكر أن حماية الحريات الفردية تقتضي بعض الإنفاق على الشرطة والمحاكم، لذا فإنه بالكاد يعتبر اكتشافاً. والفرق الأساسي بين حقوق الحرية وحقوق الرفاه الاجتماعي يكمن في مكان آخر. ففي الحالة الأولى تستعمل

إقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018