الديمقراطية الأمريكية وفشل التطبيق اللبناني

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

من المتعارف عليه ان القانون الذي يلف العالم من القطب الى القطب بات ممزوجاً بالروح الامريكية تحت راية مناهضة الارهاب من خلال نشر الديمقراطية الامريكية، وما تنطوي عليه من خصائص يجري تعميمها على شكل افكار يتم تصديرها لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. ومِن حلفائها حول العالم، حلفاؤها الجدليون في لبنان الذين باتت اتجاهاتهم السياسية علنية بالنسبة للارتباط بالسياسة الامريكية، من خلال مواقفهم الصريحة العلنية او من خلال الدعم الامريكي المباشر، عبر السفير الامريكي وتصريحاته العلنية، وذلك لمواجهة ما يسمى بالحلف الايراني-السوري بشكل اساسي مع جدلية اساسية بالنسبة لمواجهة الارهاب القاعدي الذي له خصوصياته في لبنان تميزه عن باقي منابت ومنابع هذا الفكر العقيم.
وفي التعمق بحلفاء الولايات المتحدة الامريكية في لبنان، نجد ان بورصة الانتقالات منه واليه تحركت صعودا وهبوطا بشكل كبير في الفترة الماضية بسبب التغييرات الاقليمية المتلاحقة التي فرضت واقعا تحالفيا على الارض لم يكن اللبنانيون انفسهم، بل حتى اهل القرار، أن يروه يوما في بلدهم.
وهنا لا بد من التساؤل عما اذا كان الواقع الذي فرض نفسه حاليا في لبنان سيتغير بعد فرز آخر ورقة من اوراق الناخبين الامريكيين، ولا شك ان هذا السؤال يدور بخلد الجميع (في لبنان—وفي اروقة الرئيس بوش داخل البيت الابيض)، الذين يعملون ما بوسعهم لاقفال الملفات العالقة، خصوصا ملف الرئاسة اللبنانية وسلاح حزب الله (المسمى سلاح المقاومة).
وهذا خير دليل على فشل تطبيق الديمقراطية الامريكية على الواقع اللبناني، فلبنان وبفضل التيارات الطائفية والمذهبية—وليس السياسية—يبدو عصيا امام التجربات الديمقراطية المتنوعة، ويخطئ جدا من يظن ويعتبر انه يوجد في لبنان احزاب سياسية بعيدة عن التبعية والطائفية، وهذا امر ليس بجديد، بل متوغل في القدم منذ عشرات العقود، على رغم محاولات البعض الظهور بثوب سياسي صرف.
فالديمقراطية الامريكية التي يجري تصديرها حاليا، اتت من مجموعة ولايات تحكمها التبعية لواشنطن عاصمة القرار الامريكي من خلال العمل السياسي الصرف والتنافس الطبيعي بين حزبين رئيسيين، وإن تدخلت في بعض الاحيان الطائفية والعرقية في تحالفات الاحزاب، وهذا امر مستحيل التطبيق في لبنان، البلد الطائفي الصرف.
فبالنظر الى حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في لبنان، نرى الاحزاب او المجموعات الطائفية الاساسية كالتالي:

  • تيار المستقبل: الذي انشأه رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري بدعم امريكي-سعودي (والذي قضى بتفجير لا يزال قيد التحقق من هوية المنفذين) لإدخال الطائفة السنية في لبنان في قلب المعادلة السياسية بعد ان خرجوا منها خلال الحرب الطائفية، والقضاء على بعض الاحزاب البيروتية التي كان لها شأن خلال التواجد الفلسطيني الفعلي في لبنان—وقت كانت بيروت عاصمة قرار فلسطين—وقد اكمل ابنه النائب سعد الدين رفيق الحريري طريق ابيه من خلال تزعمه التيار المذكور، واستطاع من خلال الدعم الامريكي المتواصل أن يحشد باقي الاحزاب تحت لوائه لينجح باخراج القوات السورية من لبنان.
  • الحزب التقدمي الاشتراكي: انشأه النائب والسياسي والمفكر اللبناني الراحل كمال جنبلاط على ان يكون جامعا للطوائف اللبنانية، إلا ان اغتياله وانتماءه بالاصل الى الطائفة الدرزية حوّل الحزب الذي انشأه الى حزب طائفي درزي غاص في متاهات الحروب الطائفية، وهذا على رغم سعي رئيسه النائب وليد كمال جنبلاط بالظهور بغير ثوبه الاساسي الذي فرض عليه من قبل طائفته.
  • حزب الكتائب اللبنانية: تأسس على يد النائب الراحل بيار الجميّل ليكون الخط الدفاعي والهجومي في آن للطائفة المارونية في لبنان. خاض الحزب حروباً طائفية عدة لفرض وجوده، وكان من اوائل الاحزاب التي خاضت الحرب الاهلية اللبنانية. سلطة الحزب الحالية بيد رئيس الجمهورية السابق أمين الجميّل (أعادها بعد جهد جهيد من رفاق السلاح) والذي تحالف مع اعداء الامس ليجدد حضور الموارنة على الساحة اللبنانية.
  • القوات اللبنانية: تعتبر التيار العسكري-السياسي الخارج من لدن حزب الكتائب. قائدها وزعيمها سمير جعجع الذي امضى قرابة 11سنة في سجون وزارة الدفاع اللبنانية لرفضه الدخول في الامر الواقع السوري بعد اتفاق الطائف.

فبالنظر الى هذه القائمة المختصرة التي تضم بمجملها مجموعة من المعارضين لسوريا، بالاضافة الى رجال أعمال ومصرفيين وسياسيين لا مساحة كافية لذكرهم الآن، نجد ان الحضور الشيعي خارج المعادلة، وهذا ما حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها جاهدين معالجته من خلال محاولات عديدة لاعلاء شأن بعض السياسيين ورجال الاعمال الشيعة او من خلال محاولات فاشلة لخرق صفوف حزب الله وترسانته الشعبية.
وهنا نجد السبب الاساسي لعدم جدوى تطبيق الديمقراطية الامريكية في لبنان، باعتبار ان الشيعة دأبوا منذ اطلاق حركة أمل على يد السيد موسى الصدر (والذي تُتهم ليبيا بخطفه واخفائه)، على نشر نظرية الظلم الواقع على الطائفة الشيعية، وضرورة فرض الوجود الشيعي على الارض من خلال عوامل عدة جرى تطبيقها فعليا، منها التكاثر السكاني لفرض الاكثرية السكانية، وضخ الاموال، وتغيير مستواهم المعيشي من خلال الدعوة الى الهجرة خلال السبعينات والثمانينات الى افريقيا من قبل حركة امل، وبعدها ضخ الاموال الايرانية على يد حزب الله، حيث جرى ضخها بطرق عدة، منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر، من خلال نظام الحرس الثوري بتأسيس الشركات الصغيرة والمتاجرة بأي شيء حتى الممنوعات في سبيل الحصول على الاموال ونقلها الى لبنان تحت ستارة فتاوٍ متعددة، بالاضافة الى الدور الاساسي للمصارف الايرانية التي وضعت على القائمة السوداء الامريكية في الفترة الاخيرة، ومن ضمنها طبعاً بنك صادرات إيران الواسع الانتشار في لبنان بين صفوف الطائفة الشيعية.
وهنا، نجد ان تصدير الافكار الشيعية التوسعية تفوق بالاساس على نظرية تصدير الثورة في ايران، بل إن فكرة تصدير الفكر الشيعي انطلقت بالاساس من لبنان، كما شكلت حاجزا منيعا امام تصدير الديمقراطية الامريكية الى لبنان باعتبار ان النفوذ الشيعي اقفل مناطق لبنانية عدة مثل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بالاضافة الى التغلغل في باقي المناطق من خلال نظرية الحرمان الشيعي وضخ الاموال.
مع الاشارة هنا الى ان الولايات المتحدة كانت قد حاولت خلال سبعينات القرن الماضي التدخل بالقرار الشيعي من خلال رئيس مجلس النواب الحالي ورئيس حركة امل الشيعية نبيه بري الذي قضى سنوات من عمره الاولى في امريكا ولا تزال عائلته الاولى هناك، الا ان الواقع على الارض ومعاداة الشيعة للفلسطينيين ومن ثم تحالفهم مع سوريا افشل هذا المخطط، الذي لو كتب النجاح له لتغيَّر الواقع الحالي، وتم تطبيق ليس فقط الديمقراطية بل كل الافكار التي تم تصديرها امريكياً.
وهذا هو الفخ الذي وقع فيه حلفاء امريكا في لبنان بمعاداة الطائفة الشيعية وقد نتج عنه انقساما سياسيا وشعبيا خطيرا كرس واقعا جديدا وغريبا عن لبنان، فبات السنة والموارنة في مواجهة مع الطائفة الشيعية—شاء اهل القرار الاعتراف بهذا ام أبوا—وهذا ما ادخل لبنان في دوامة لن يخرج منها ابدا.
فالناظر الى طيات التاريخ اللبناني لقرون عدة خلت يجد ان الانقسامات المذهبية والطائفية هي نفسها لم تتغير، بل اتت بعباءات مختلفة، وكل الحلول والاتفاقات والاتفاقيات الداخلية والدولية كانت وقتية لم تستمر لاكثر من اربعة عقود متواصلة، وكل فترة من الزمن تعود المشكلة نفسها برداء مختلف واسماء مختلفة وبحجج واسباب متغايرة.
فليس من الممكن لبنانياً ان تفرض جهة ما رأيها على الجهة الاخرى، او بصريح الكلام رأي طائفة على طائفة اخرى مهما كانت الظروف والاسباب، الا من خلال حروب داخلية مرحلية بات التاريخ اللبناني خير دليل على عقمها، وان ظل الاصرار الامريكي والايراني-السوري بتطبيق الحروب السياسية على الاراضي اللبنانية فستكون النتيجة التقسيم الذي هرب منه اللبنانيون مرات ومرات، علما ان بعض حلفاء الولايات المتحدة، ووليد جنبلاط تحديدا قد طرح هذا الاتجاه خلال اجتماعات “لوزان” منذ عقدين كحل لبناني قائم على الكونفدرالية للخروج النهائي من الازمات المتلاحقة.
الا ان الواقع الحالي مشابه الى حد بعيد للكونفدرالية المشابهة لتقسيم الولايات المتحدة، فكل “طائفة” اغلقت حدودها ولكل منها مواردها وسياستها ورجالاتها ويبدو انه الحل الانسب للوصول الى الهدوء اللبناني.
وتجدر الاشارة الى أن الولايات المتحدة والحلف الايراني-السوري ليسوا الوحيدين الذين يريدون قطعة من الكعكة اللبنانية، فتنبغي الاشارة الى النفوذ الفرنسي الذي يدفع بالبعض من جماعة 14 آذار الى لعب دور مزودج فرنسي-أمريكي، والدور الاردني والسعودي والقطري، وطبعاً الاسرائيلي، بالاضافة للافكار الشيوعية والتقدمية وغيرها… مما جعل الديمقراطية الامريكية تشكل امرا يستحيل تطبيقه لبنانياً.
كما إن الامر الخطير المعرقل للتحالفات الامريكية في لبنان هو الطائفة السنية التي، وإن اظهر تيار المستقبل إحكامه السيطرة عليها، فإن تيارات عدة تؤثر بقرارها، خصوصا سُنة الشمال ومنطقة الضنية بالاضافة الى جمعية المشاريع الاسلامية او الاحباش، والاخطر توغل الفكر القاعدي والاصولي الذي أنتج مجموعة “فتح الإسلام” التي أنهكت وتنهك الشرعية اللبنانية الى الآن، خصوصاً وأن خيوط الجرائم التي ارتكبوها، وآخرها كان اغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني دلت الى منطقة اقليم الخروب السنية التي تعتبر خط الدفاع البحري لمنطقة جنبلاط، مما يضع علامات الاستفهام الكبيرة جدا حول العمق الحقيقي للافكار الامريكية في لبنان.
وبالعودة الى الديمقراطية الأمريكية المصدرة الى خارج حدود الولايات المتحدة، فان الزمن وحده كفيل بوضعها على الميزان الاممي العالمي لمعرفة مدى ملاءمتها لقياس الشعوب التي يتم التصدير اليها، خصوصا الى شعوب ما يسمى بالعالم الثالث، ومدى تقبلها من قبل الشعوب مع الاشارة طبعا الى الفكر الماركسي العالمي الذي بقي ردهاً من الزمن قبلة للشعوب الفقيرة، الى ان سقط عرشه من جراء تغلغل الافكار التحررية الحديثة التي اوصلت الشعب الروسي الى مكانته الحالية من جديد.
لكن يبقى السؤال: أين موقع الشعوب العربية، ومن ضمنها لبنان، من هذه الافكار، ومدى تقبلهم للجديد والمتحرر والمخالف للافكار القاعدية التي تشق طريقها بواسطة تخدير العقول والمال؟
وللكلام تتمة…
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 14 شباط 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018