الآثار البعيدة المدى للأزمة المالية

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

على خلاف ما يتوقعه المراقبون، فمن المحتمل أن تتسبب الأزمة المالية العالمية العنيفة في كساد الاقتصاد العالمي. كما أنه من المحتمل أن يستمر هذا الكساد لفترة طويلة وقد يؤسس لبداية عصر يعرف ارتفاعا في الضرائب ونموا اقتصاديا بطيئا في البلدان الغنية. كما أنه سوف يسرع الأزمة المالية التي ستطال المشاريع الاجتماعية الإجبارية.
لقد تدهورت الأسواق المالية كردة فعل على فشل خطة الإنقاذ الأمريكية. وبتدهور الأسعار المحلية (home prices) ، سيتواصل ضعف الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية وستنتشر الأزمة. لقد تعالت الأصوات المطالبة بخطط إنقاذ واسعة في أوربا وفي أماكن أخرى ولكنه من غير المؤكد أن تفلح هذه المبادرات النقدية والمالية في تجاوز الأزمة.
لقد كانت الأزمتان الأمريكيتان الماضيتان معتدلتين، و شهد نمو الاقتصاد العالمي توقفا لفترة وجيزة فقط. والأمل اليوم هو أن تنجح خطط الإنقاذ في جعل الكساد الاقتصادي القادم طفيفا و قصير الأمد. ولكن ما هي احتمالية ذلك؟ لقد حدث الكسادان السابقين – عام 1991 وعام 2001 –  في ظل أساسيات اقتصادية سليمة (economic fundamentals): قوى عاملة ذات إنتاجية عالية، نمو قوي للاستهلاك، تطور مضطرد للتجارة العالمية، وضرائب قليلة. أما  في هذه الأزمة، فالكساد قادم وهذه الأساسيات الاقتصادية أضعف بكثير مما كانت علية في المرتين السابقتين.
لنتمعن، أولا، في نمو الإيرادات. فأبناء جيل الازدهار (baby boomer) من العمال الأكثر خبرة في أمريكا وأوروبا بدؤوا بالتوجه للتقاعد.  وعلى الرغم من ان نسبة كبيرة من العمال الأكبر سنا لا يزالون يشكلون جزءا من القوة العاملة  في السنوات الأخيرة، غير ان الكساد القادم  يمكن أن يلقي بهم في صفوف العاطلين.  فنقص الائتمان (credit shortage) بدأ يجبر الكثير من الشركات على تقليص وتخفيض النفقات. ومن المرجح أن تؤثر هذه الضغوط على كبار السن من العمال بشدة من خلال إجبارهم على التقاعد بشكل أكبر. وعلية فان خروج العمال الأكثر خبرة من العمل، قسريا أو طوعيا، سيؤدي إلى تقليل جودة العمل العامة، وإبطاء الإنتاجية ونمو الإيرادات. وستستمر هذه الظاهرة طوال العقدين القادمين.
قام المستهلكون الأمريكيون، الذين يعتبرون محرك النمو العالمي،  بتقليص الإنفاق. أما الارتفاع الأخير في أسعار النفط فقد قلل الإنفاق على السلع غير النفطية. وعلى الرغم من ان أسعار النفط قد انحسرت تحت تهديد تباطؤ اقتصادي عالمي، ستستمر بعض العوامل الأخرى في تقليل الإنفاق الاستهلاكي. وبينما يقترب أبناء جيل الازدهار من التقاعد، فان المخاوف حول الجدوى العملية لبرامج التقاعد العامة التي انخفضت قيمتها نتيجة انهيار سوق الأسهم، كما أن انخفاض الأمان الوظيفي نتيجة البطالة المتزايدة، قد يدفعان الكثير من العمال إلى زيادة الادخار.
يمكن للنمو الاستهلاكي المتباطئ للأنظمة الاقتصادية للبلدان المتقدمة أن  يعوض بنمو استهلاكي أسرع في البلدان النامية ولا سيما في الصين والهند. لقد كانت التجارة هي بارقة الأمل الوحيدة للاقتصاد الأمريكي خلال عامي 2007 و2008، فعند تراجع قيمة الدولار، حافظت الصادرات السريعة النمو على زيادة الناتج الأمريكي. ولكن هذا السيناريو غير وارد في المرحلة المقبلة  في ظل قتامة التوقعات الاقتصادية في العالم.
إن النمو الاقتصادي السريع في الصين نابع من ادخارات محلية عالية، واستثمارات موجهة صوب البنى التحتية، والتصنيع والتصدير. ومع انخفاض الإنفاق الاستهلاكي العالمي، على الصينيين تشجيع نمو استهلاكي محلي سريع للحفاظ على قطاعهم الصناعي. كما أن الزيادة في الإنفاق الصيني ستكون لصالح البضائع غير الصينية، وستفيد من ذلك صادرات والإيرادات الدول المتقدمة.  كما أنه من الوارد أن يضع السياسيين الصينيين عوائق التجارية من أجل عزل اقتصادهم تفاديا للكساد العالمي.
و تعتبر الهند اقل تعرضا للكساد بسبب السيطرة الإدارية العالية على الواردات وبسبب التعريفات، ولكن كسادا قاسيا في البلدان الغربية سيؤدي إلى مواقف أكثر حمائية من قبل صناع السياسة الهندية أيضا.
إن تباطأ الطلب الاستهلاكي وإنتاجية العمل و احتمال تباطأ النمو التجاري كلها مؤشرات تنذر بأن الكساد القادم لن يكون كسادا معتدلا. فان لم تفلح خطة الإنقاذ باستعادة الاستقرار المالي بشكل فوري – وهذا ما يشكك فيه العديد من علماء الاقتصاد– فان إنقاذ الاقتصاد بمجمله  سيتطلب المزيد من الأموال العامة، وسيزيد من أعباء دافعي الضرائب في المستقبل.
ان إيرادات الأجيال المستقبلية مثقلة سلفا بالكثير من الالتزامات الحكومية لدفع التقاعد العام وخدمات الرعاية الصحية لكبار السن من أبناء جيل الازدهار. إضافة إلى ذلك، فان الخلل المتزايد في الموازنات المالية للحكومات الإقليمية وحكومات الولايات ستتطلب تخفيضات حادة في الخدمات، ومن المحتمل جدا ان تتطلب ضرائب أعلى. و إذا لم تُقلل مسؤوليات الحكومة والتزاماتها، ستصبح الأزمة المالية الحالية الهائجة نقطة تحول لعصر جديد من الضرائب المرتفعة المستديمة، وهذا يعني نموا اقتصاديا بطيئا مستديما بين البلدان المتقدمة.
لقد وعد السياسيون في الماضي بتقليل حجم ونطاق الحكومة عندما كانوا يبحثون عن المناصب، ولكنهم تجنبوا الخيارات الصعبة التي ينطوي عليها ذلك. وما التكلفة الباهظة للبرامج الاجتماعية الإجبارية إلا مثال شنيع لفشل القيادة السياسية.  وسوف يقيد هذا الفشل بشكل كبير خيارات السياسيين المستقبلية.  إنه لمن المتعارف عليه أنه لا يتم إصلاح البرامج الاجتماعية الإجبارية حتى توشك هذه البرامج أن تتعرض لأزمة مالية. و إذا تفشت الأزمة المالية الحالية، وتقلص الوعاء الضريبي بينما استمرت المعدلات الضريبية في الارتفاع، فان الكارثة الضريبية ستحل علينا بأسرع مما نتوقع.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018