النمو العلمي في الشرق الأوسط

peshwazarabic10 نوفمبر، 20101

النشر العلمي هو واحد من مخرجات النشاط العلمي المختلفة. ويعتبر النشر العلمي مقياس للنشاط العلمي للفرد العالِم أو للمؤسسات العلمية. و له شروط وضوابط صارمة و هذا ما جعله في واحد من أعلى مراتب التقييم. على ذلك ليس كل ما ينشر يعد بحثا علميا، و ليست أية مطبوعة تنشر علما تعتبر مجلة علمية. كما انه ليس كل بحث ينشر يعد قفزة أو طفرة علمية.
كان لابد من هذه المقدمة البسيطة لتناول تقرير نشرته مؤسسة (Science-Metrix)  و بعنوان (“ثلاثون سنة في العلم) يهتم بدراسة العلاقة ما بين العوامل الجيوبولتيكية والنشاط العلمي وذلك من خلال دراسة النشر خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1980-2009). إن هذه الفترة الزمنية تغطي أحداثا سياسية كبيرة وخطيرة مثل انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من تغيرات في أوربا الشرقية. أما في الشرق الأوسط فنجد الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت وتحرير الكويت وسقوط النظام العراقي السابق. ويشكل العراق الطرف المهم داخل هذه المشاكل الشرق أوسطية.
لقد استخدمت الدراسة مخرجات إحصائية من (Thomson Reuters, database) والخاصة بالنشر العلمي لتلك الفترة. و فيما يلي خلاصة سريعة لما  بينته هذه الدراسة :
أولا: أن بعض الدول المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق عانت تراجعا في النشر. في حين أظهرت بولندا و ليثوانيا و استونيا نموا واضحا.
ثانيا: كان النمو واضحا في الشرق الأوسط (حوالي أربعة مرات أسرع من المستوى العالمي) و تصدرت إيران و تركيا قمة النشاط.
ثالثا: ظهرت إيران على أنها أسرع دولة في العالم في بناء مقدراتها العلمية خلال العشرين سنة الماضية. و يعزو التقرير هذا النمو إلى البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل.
رابعا: ساهمت قارة آسيا خلال الثلاثين سنة ب 155% من النشاط العالمي متجاوزة أمريكا الشمالية. أظهرت الصين نموا مذهلا حيث كان نموها أسرع بخمسة مرات من النمو الأمريكي. ولكن من جهة أخرى أظهرت الصين تباطأ في نمو العلوم الإنسانية و الاجتماعية مقارنة مع الولايات المتحدة.
خامسا: أدى احتلال الكويت إلى تراجع كبير في نشاطها العلمي واستطاعت الكويت استعادة نشاطها بعد التحرير إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى ما كانت عليه خلال عقد الثمانينات.
سادسا: أدت الحرب العراقية الإيرانية إلى تراجع النمو العراقي في نهاية الثمانينات ومن ثم انهيار النظام العلمي العراقي والذي استمر لغاية 2004 تقريبا.
سابعا: يعتقد التقرير بان هناك إعادة تشكيل عالمية للنشاط العلمي و يعطي لآسيا المكان المتقدم. حاليا تحاول أوربا الحفاظ على موقعها في حين أمريكا الشمالية تخسر موطئ قدمها لصالح آسيا و أمريكا اللاتينية.
مما يلاحظ أن التقرير كان قد ركز على النشر العلمي كمقياس للتقدم العلمي وهذا مقياس معتمد عالميا، إلا أن التقرير لم يبين مستوى النشريات العلمية و أنواعها التي تم اعتمادها في إحصاء البيانات و بذلك تكون مدخلات العملية الإحصائية غير واضحة. من جهة أخرى فإن مؤسسات النشر العلمي العالمي تتركز أساسا في أوربا و أمريكا و جنوب شرق آسيا و اليابان، و معظم النشاط العلمي العربي منشور في مجلات محلية غير معروفة عالميا.
على أية حال لقد لوحظ بعد منتصف القرن الماضي نوع من الانحسار في نشاط العلوم الصرفة لصالح النشاط التكنولوجي. و هذه الظاهرة نتيجة عوامل كثيرة لا مجال لتناولها الآن. و هذا ما قادني لافتراض توسيع نموذج أوكست كونت (المراحل الثلاث للتطور الفكري) ليكون على أربعة مراحل بدلا من ثلاث.
إن بروز النشاط الرابع (التكنولوجيا) لم يظهر إلا بعد وصول النشاط العلمي إلى نوع من الاستقرار في نموه. على ذلك نجد أن نمط النشاط العلمي التقليدي يكاد أن يكون مستقرا في أوربا و أمريكا التي عاشت نموا طبيعيا خلال القرون الخمس الماضية وهي الآن في قمة تربعها. إن الإبداع العلمي الذي و صفه الفيلسوف الأمريكي كون (Kohn) اخذ بالتباطئ و ربما كانت آخر ثورة علمية هي ثورة الخارطة الجينية في التسعينات من القرن الماضي. على ذلك نجد أن التجمعات الدولية المتقدمة والمترابطة علميا مثل الدول الغربية و حتى إسرائيل ذات نمو مستقر. يبلغ مؤشر النمو (Growth index) الأمريكي 0.73 في حين مؤشر النمو الإسرائيلي 0.94.
إن البحوث العلمية الصرفة أخذت تشهد انحسارا وقل إقبال الطلبة والباحثين عليها كما قل الدعم المالي المقدم لها. إن معظم حالات النمو العلمي المؤشرة ذات طبيعة تطبيقية و تمول بحثيا من شركات صناعية  أو مراكز بحوث تطبيقية، وهذه البحوث التطبيقية تعتمد على أساسيات العلوم الصرفة بمعنى آخر إن نتائج هذه البحوث ذات تطبيقات علمية متخصصة و ضيقة التطبيق، إنها تقود إلى ثورات تكنولوجية وليس ثورات علمية. و هذا ما يظهره التقرير في النمو الصيني.
أما بخصوص ظواهر النمو العلمي فقد اظهر التقرير أربعة أنواع من النمو:
نموا في بعض الدول التي تحررت من قيود الايدولوجيا (الشيوعية) و ذات بعد أوربي.
نمو في الدول التي تحاول النهوض مثل الدول العربية. وكان مؤشر النمو العربي مابين 0.47 للعراق و 3.29 لعمان.
نمو متسارع لإيران بلغ 11.07. و هذا نمو تحفيز مأدلج لأن مؤشرات التنمية البشرية التي أظهرتها الأمم المتحدة لم تبين نموا موازيا لهذا. و هذا ما يعني أن هناك تركيز مقصود على جانب معين من التنمية أكثر من الجوانب الأخرى. ويعرض التقرير مقدار التركيز على الكيمياء والهندسة – التكنولوجيا والفيزياء وحصلت فيزياء البلازما على أعلى مؤشر للنمو (95.8)، في حين حصلت الهندسة الميكانيكية على أوطأ مؤشر (12.5). لقد أظهرت الفيزياء حصولها على اهتمام عالي جدا في البحث العلمي الإيراني.
نمو علمي صناعي صيني مذهل. إن الثورة التقنية الصينية بدأت بعد انحسار الثورة الثقافية لماوتسيتونغ و زوال تأثيرها. أظهرت الصين نموا متسارعا في تخصصات تطبيقية مثل علم المواد و البوليمرات والمعادن والتعدين، وهذه التخصصات هي ذات طابق تقني.
بدأ النمو الإيراني نهاية الثمانينات في الوقت الذي بدء فيه التلاشي العلمي العراقي. استمر التلاشي العراقي إلى حدود عام 2004 حيث بدأ النمو من جديد و هو الآن في حالة تصاعد بطيء. رغم الأدلجة الدينية الإيرانية فإن إيران ذات قاعدة علمية علمانية تم تأسيسها في عهد الشاه السابق و بقت محافظة نوعا ما على البعض من التقاليد العلمانية السابقة. لقد ظلت العلوم الطبيعة التقليدية بعيدة نسبيا عن التسلط الأيديولوجي إلا أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تراجعت كثيرا. لهذا بقى النشاط العلمي الإيراني على علاقاته العالمية بعد الثورة دون أن يتأثر كثيرا و استمرت البعثات الطلابية إلى الولايات المتحدة و الغرب عموما. و لا تختلف الثورة الإيرانية عن أي ثورة مؤدلجة في محاولة الاستثمار السياسي للعلوم في المجالات التي يهدف لها تطلعها الأيديولوجي.
التقدم الصيني الهائل الذي حدث بعد التخلص من الثورة الثقافية المؤدلجة لم يبنه التطبيل و الدعاية الجوفاء لتاريخهم المجيد، بل الذي بناه هو التخلص من الأدلجة المتزمتة و الانفتاح على العالم و السوق الحر. الباحث الصيني الآن لديه مختبرات وكتب و مؤسسات نشر صينية، ومؤسساته العلمية على صلة مستمرة بأشهر مؤسسات العلوم و التكنولوجيا في العالم، و هناك علاقة ما بين ما تنتجه البحوث و ما تتبناه التكنولوجيا. هناك أربعة عناصر مترابطة في النمو الصيني وهي النمو الصناعي والنمو العلمي و النمو الاقتصادي، إضافة لعامل مهم وهو القدرة البشرية الهائلة و قابلية الفرد على تقبل الأفكار الحديثة، حيث لا يوجد تعارض ما بين الموروث التقليدي و الحداثة. هذه العناصر تبين أن النمو الذي حققته الصين نموا حقيقيا مترابط العناصر و ليس نموا مؤدلجا أو بهدف ادعاء التحضر و المعاصرة.
النشاط العلمي يعتمد على عدة عناصر مثل توفر الدعم المادي والنمو الاقتصادي والحرية الفردية و الاجتماعية والقدرة على الخلق و الإبداع. بالإضافة للتأثيرات الفردية للحرية على الفكر الإنساني المبدع فان الحرية الاجتماعية تدعم الاندماج العلمي عالميا و تساعد على التكامل العلمي ما بين الدول. أما علاقة الحرية بالإبداع فإنها ضرورة ملحة و تطمح المجتمعات المعاصرة على تربية أجيالها على الإبداع وعدم التقليد .
إن الكثير من المجتمعات العربية تعتبر من أغنى المجتمعات ذات الثروة الطبيعية، ورغم أن الجانب الاقتصادي واحد من عناصر النمو العلمي إلا انه ليس كافيا لخلق بيئة علمية منتجة. قد يتمكن العرب من استجلاب المختبرات و الأساتذة الأجانب وإنشاء مراكز البحوث و..، ولكن لن يتمكنوا من خلق بيئة علمية منتجة بدون حرية فكرية وتربية مدرسية تربي روح الإبداع وتخلق مجتمعا منفتحا. إن طبيعة الموروث التقليدي للفرد ما تزال مناهضة للتحديث حتى لدى الكثير من العلميين. مثل هذه الظاهرة المحبطة غير موجودة في المجتمعات الصينية و اليابانية.
بالإضافة للأمثلة التي يمكن استخلاصها من التقرير فان ظاهرة الارتباط ما بين الحرية و التطور تم تشخيصها في تطور العلوم عند العرب خلال الفترة مابين 700م-1000م، و كذلك تطور العلوم في الغرب بعد عام 1400م تقريبا.  النمو العلمي العربي البسيط  الذي ذكره التقرير هو الآخر ناتج الحرية النسبية التي عاشها العرب بعد اندحار التسلط العثماني مطلع القرن العشرين وظهور المؤسسات الحديثة ولكن التأثيرات الفكرية لفترة الانغلاق العثمانية ما تزال ذات سلطة اجتماعية هائلة تعيق الفكر الحر حتى الآن. لقد تمكنت تركيا من الحد من تأثير الفكر العثماني المغلق، وهذا ما قادها إلى نمو قدرهُ التقرير ب5.47. رغم التقبل النسبي للمجتمعات العربية لهذه المؤسسات العلمية الغريبة عنها إلا أن هذه المجتمعات ما تزال غير قادرة على التعامل مع العلم ومؤسساته بكفاءة.
لقد جاء تسلسل النمو العلمي العربي في الشرق الأوسط خلال الثلاثين سنة الماضية كما يلي مع مؤشر النمو:
عمان 3.29
الإمارات العربية المتحدة 2.7 (هناك عدة مؤسسات حديثة لدعم البحوث العلمية)
لبنان 1.88
الأردن 1.7
سوريا 1.52
اليمن 1.31
قطر 1.22 (تأسست فيها عام 1995 مؤسسة قطر و هي مؤسسة راعية و داعمة للبحوث العلمية)
الكويت 1.06
مصر 1.0 (أقدم دولة عربية من مجال العمل العلمي)
البحرين 1.0
المملكة العربية السعودية 0.96
العراق 0.47 (تأثير الوضع السياسي).
إن معظم الناتج البحثي العربي هي عبارة عن أعمال أكاديمية يجريها طلبة البحوث لكون مؤسسات البحوث العربية تجربة حديثة في معظم الدول العربية. و مع زيادة الأكاديميات العربية تزداد البحوث. مثل هذا النمو البحثي و النمو في النشر العلمي لا يعني نموا مماثلا في الإنتاج الصناعي والتطبيقات لهذه البحوث. كما لم يصاحبه نموا اقتصاديا ملازم للتطبيقات. إن هذا النمو لا يعدو عن كونه نموا منفصلا لا تأثير اجتماعي له. الدول العربية عموما تعاني من انفصال كبير ما بين المؤسسات الأكاديمية و البحثية والصناعة لكون الصناعة مستوردة أساسا وليست ناتجا محليا. لذلك يبقى الانجاز البحثي دائما معزولا و أكاديميا فقط و من ثم لا قيمة محلية له.

One comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018