peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

إن إحدى المسائل الأكثر أهمية بالنسبة للأمريكيين هي كيفية التحكم بتحديد أسعار أدوية الوصفات الطبية وخصوصا بالنسبة لكبار السن الذين يعتمدون على تغطية التأمين الصحي “الميدي كير”. بعض المدافعين عن هذه السياسة يحثون الحكومة الفيدرالية على أن تقوم بالتعاقد بشكل مباشر مع شركات صناعة الأدوية لشراء الأدوية الخاصة بكبار السن وفق أسعار يتم تثبيتها من قبل الحكومة. وبالرغم من سمو نوايا هؤلاء المدافعين فان التحكم في مثل هذه الأسعار قد يكون ضارا بصحة الأمريكيين المستقبلية.
عندما يتم ضبط الأسعار دون المستويات الطبيعية فقد تقوم موارد هذه الصناعة كالمواهب المخترعة ورؤوس الأموال الخاصة بالمستثمرين بهجر هذه الصناعة سعيا نحو عائدات افضل في مكان آخر، الأمر الذي يعني بأنه سوف يكون هنالك اكتشافات واختراعات اقل، كما ستكون الأدوية الجديدة التي سوف تتاح أمام المستهلكين اقل عددا. وفي غالب الأحيان سوف يحدث مثل هذا التغيير على مدى فترة طويلة، أطول من مدة المنصب الذي يتولاه أي صانع سياسة. وهكذا فانه لأمر هام وحيوي أن يتم تذكير صناع السياسة بالتأثير الذي ينتج عن تحديد الأسعار حينما يتم عرضه كسياسة حكومية.
تمزيق أوصال العرض والطلب
يعتبر تحديد أسعار السوق من خلال التفاعل الديناميكي بين العرض والطلب بمثابة لبنة البناء الأساسية للاقتصاد. فأفضليات المستهلك بالنسبة لأي منتج هي التي ستحدد مقدار ما سيقوم بشرائه وفق سعر معين. فالمستهلكون سيقومون بشراء منتج ما بمقدار اكبر عندما ينخفض سعر ذلك المنتج، ويتساوى جميع المستهلكين على هذا الأمر. وبدورها تقوم الشركات بتحديد ما سترغب في عرضه وفق أسعار متباينة. وعموما، في حال رغبة المستهلكين بدفع سعر أعلى بالنسبة لإحدى المنتجات، عندئذ سوف تحاول المزيد من الشركات الصانعة بإنتاج ذلك المنتج وبزيادة سعة إنتاجها كما ستقوم بإجراء الأبحاث اللازمة لتحسين ذلك المنتج. وهكذا، فان الأسعار المرتفعة المتوقعة سوف تؤدي إلى زيادة في عرض السلع وسينتج عن هذا التفاعل الديناميكي سعر متوازن في السوق حيث يتم التفاعل بين المشترين والبائعين بكل حرية وسيكون السعر الناتج سببا في التساوي المحكم بين الكمية المطلوبة للمستهلكين والعرض الذي يقدمه البائعون.
ولكن عندما تتبنى الحكومة عملية التحكم في الأسعار سوف تقوم بتحديد سعر المنتج في السوق وستفرض بان يتم عقد كافة الصفقات التجارية أو نسبة كبيرة منها وفق ذلك السعر بدلا من السعر المتوازن الذي يفرضه التفاعل الذي يتم بين العرض والطلب. وبما أن العرض والطلب يتغيران استجابة لأذواق المستهلكين والتكاليف إلا أن السعر الذي تفرضه الحكومة سوف يتغير فقط بعد عملية سياسية طويلة وسوف لن يكون سعر الحكومة سعرا متوازنا على الإطلاق، الأمر الذي يعني بان سعر الحكومة سوف يكون إما مرتفع جدا أو منخفض جدا.
وعندما يكون السعر مرتفع جدا فسوف يكون هناك كميات هائلة من المنتج المعروض للبيع عند مقارنته مع ما يريده الأفراد، وهذا هو حال الوضع بالنسبة للعديد من برامج المزارع الأمريكية والأوروبية حيث تقوم الحكومات، في جهودها لزيادة إنتاج المزارع، بشراء الإنتاج الذي لا يرغب به المستهلكون، وهذا بدوره يعمل على تشجيع المزارعين على تربية المزيد من الأبقار وتحويل المزيد من الأراضي إلى مراعي أو أراضي للغلال. وبالرغم من ذلك، فان الأسعار المرتفعة لا تعمل على تشجيع المستهلكين على شراء منتجات المزارع، الأمر الذي يؤدي إلى وجود فائض في العرض (مثل “جبل الزبدة”). فالحكومة، عندئذ، تعمل على تفاقم هذه الأوضاع من خلال الاستمرار في شراء فائض المحصول وفق السعر الذي تم وضعه.
هناك أيضا مشاكل خطيرة تنتج عندما تقوم الحكومة بتثبيت الأسعار دون مستوى التوازن، الأمر الذي يجعل المستهلكين يرغبون في شراء المزيد من المنتج بشكل اكبر مما يقوم المنتجون بعرضه. فعندما قامت الحكومة الفيدرالية بتقييد سعر البنزين الذي ازداد ارتفاعا في أعوام السبعينيات من القرن الماضي تشكلت عند محطات الوقود طوابير طويلة من السيارات وقد حصل على مقدار ضئيل من البنزين فقط أولئك السواقين الذين انتظروا لساعات طويلة في طابور الانتظار.
وفي كلتا حالتي ضبط الأسعار الحكومية، سوف ينتج عن ذلك فقدان خطير للرخاء الاقتصادي نظرا لعدم بيع سلعا كافية. ويتم تعريف الفرصة الضائعة الخاصة بخلق فائض من المنتجين والمستهلكين لهذه المبيعات بأنها “ضياع الوزن الكلي” نظرا لان الدخل المتوقع منها هو الذي سوف يضيع والى الأبد. وبالإضافة إلى حدوث فقدان في الوزن الكلي، سوف يعمل السعر المرتفع بشكل مصطنع على تحويل الأرباح من المستهلكين إلى المنتجين وان هذه الأجور، في اغلب الأحيان، سوف تضيع نظرا لقيام المنتجين بإنفاقها على تشكيل جماعات ضغط وعلى أنشطة مؤثرة أخرى للحفاظ على الأسعار التي تم فرضها بالقانون. أما في حالة السعر المنخفض، فسوف يقوم المنتجون بتحويل الأرباح إلى المستهلكين. ومن خلال التنافس على الحصول على كميات محدودة من المنتج الذي تم التحكم في تحديد سعره فمن الجائز أن يقوم المستهلكون بفقدان ما سوف يكسبونه بعد الحصول عليه وفق السعر المنخفض. وعلى سبيل المثال، ربما قام أولئك الأفراد الذين انتظروا في أعوام السبعينيات من القرن الماضي في طوابير البنزين عند محطات الوقود بتكبد تكاليف كبيرة من جراء الوقت الذي أضاعوه في الوقوف في الطوابير تعادل ما قاموا بتوفيره من سعر البنزين الذي تم تحديد سعره. (ويقول الباحثان روبرت ديكون وجوب سونستيلي بان طوابير البنزين قد كلفت المستهلكين مبالغ اكثر مما قاموا بتوفيره من أسعار البنزين التي تم تحديدها). وهكذا فان الأسعار المنخفضة بشكل مصطنع لم تضر فقط بالمنتجين بل قامت بإيذاء المستهلكين أيضا.
تحديد الأسعار تاريخياً
عندما تقوم الحكومة بخفض سعر سلع رائجة بين الناس فسوف تكسب تعاطف أصوات الناخبين وكذلك الدوائر الانتخابية، كما ستكسب الحكومة التعاطف من جانب جماعات الضغط وكذلك الشركات عند رفع الأسعار بغرض تشجيع الجو الصحي للصناعات. وبافتراض بان القيام بهذه الأشياء سوف يفيد صناع السياسة فإننا سوف لن نندهش إذا علمنا بان تحديد الأسعار يعتبر أمرا شائعا عبر تاريخ الاقتصاد في الدول الغربية.
الخبز والثـــورة. في أوائل القرن العشرين قام عالم الاقتصاد هنري بورن بتدوين التأثير الذي أحدثه تحديد الأسعار على فرنسا في الأعوام التي أعقبت الثورة الفرنسية عندما وجد سكان مدينة باريس بان من الصعب عليهم شراء الحنطة. لم يكن النقص في مادة الحنطة يعود إلى أية مشاكل زراعية، حيث كتب بورن بان فرنسا في العام 1793 كانت أمة زراعية مزدهرة قادرة على إطعام نفسها. وبدلا من ذلك، كان التهديد بالمجاعة يعود إلى مشاكل حدثت في الشراء والتوزيع الداخلي التي خلقتها الحكومة. فعلى سبيل المثال، قام وكلاء في مدينة باريس وكذلك النخبة العسكرية والحكومة بالتنافس فيما بينهم على شراء الحنطة مما أدى إلى حدوث نقصان محلي في هذه المادة لم يكن قد حدث مثله في السابق إطلاقا، الأمر الذي أدى إلى قيام بلبلة اجتماعية.
وفي محاولة منها لإرضاء جمهور الناس، قررت مدينة باريس تقديم دعم حكومي لمادة الطحين مما عمل على تشجيع الخبازين من البلدات المجاورة على السفر إلى باريس لشراء مادة الطحين والذي أدى إلى المزيد من النقصان في هذه المادة في المدينة.
وقد حاول المؤتمر العام الفرنسي الذي كان يحكم الشعب الفرنسي في ذلك الوقت التعامل مع هذه المشكلة من خلال تثبيت الحد الأعلى لأسعار الحنطة وإصدار التعليمات إلى المزارعين لتوريد هذه المادة إلى الأسواق المحلية. وكما سوف يتوقعه المرء، لم يتعاون المزارعون مع القانون الجديد فكانت الأسواق خالية من مادة الحنطة وحدث المزيد من النقصان في هذه المادة وأخفقت الحسابات الرسمية التي كانت مرصودة لتوريدات الحنطة في الإبقاء على المخزون ومتابعته واستمرت القلاقل في المدن. وكتب بورن انه في العام 1793 اصدر المؤتمر العام قانونا آخر تم بموجبه تمديد الحد الأقصى للأسعار ليشمل توريدات أساسية أخرى من مادة الحنطة. وقد عمل تحديد الأسعار هذا والمقترن مع مطالبة وفساد الحكومة على خلق فوضى في الاقتصاد الفرنسي. واستجاب التجار لذلك من خلال إجراء خفض في جودة بضائعهم كما ازدهرت السوق السوداء. كما كتب بورن قائلا: “لقد كان التاجر الأمين هو الضحية لهذا القانون. فقد رفض أنداده الحريصون أن يستسلموا. فعمل الجزار، عند قيامه بوزن اللحم، على إضافة المزيد من “النتاتيف” بشكل اكبر مما كان يضيفه من قبل وقام أصحاب المحلات التجارية الآخرون ببيع سلع من النخب الثاني وفق الحد الأعلى (للأسعار). واشتكى عامة الناس لكونهم يشترون عصير الأجاص مقابل الخمر وزيت الخشخاش مقابل زيت الزيتون وعشبة الدردار مقابل الفلفل ومادة النشا مقابل السكر.”
أمثلة من القرن العشــرين. قدّم القرن الماضي الكثير من الأمثلة على المشاكل الاقتصادية التي نجمت عن تحديد الأسعار في أوروبا الشيوعية. وقد أورد العالم الاقتصادي ديفيد تار بعضاً من هذه المشاكل في دراسته حول توزيع أجهزة التلفزيون المنتجة محليا في بولندا الشيوعية. ونظرا لإبقاء الحكومة البولندية على أسعار أجهزة التلفزيون وفق سعر منخفض بشكل مصطنع فقد تفوق الطلب على العرض إلى حد كبير وأصبحت أجهزة التلفزيون نادرة الوجود. وقد كان على المستهلك الذي يرغب في شراء جهاز تلفزيون أن يقوم بالتوقيع على قائمة انتظار وكان على المستهلك، في اغلب الحالات، أن يقوم بزيارة المعرض التجاري كل يوم للحفاظ على مكانه على قائمة الانتظار. وقام تار بعملية حساب للتكلفة الاجتماعية التي يتحملها الطابور الخاص بشراء أجهزة التلفزيون فكانت قد بلغت عشرة أضعاف حجم “ضياع الوزن الكلي” وان تكلفة تحديد أسعار أجهزة التلفزيون بالنسبة للاقتصاد البولندي كانت اكبر من المبيعات الإجمالية لهذه الصناعة.
وفي أعوام الثمانينيات من القرن الماضي، قام وزير المالية في اليابان بتنظيم رسوم وأتعاب السمسرة (الوساطة المالية) وحظر على شركاتها أن تقوم بالمنافسة على الزبائن وفق ذلك الأساس. ومع ذلك، حسبما كتب العالمان في الاقتصاد كيفن هيبنر ويونغ بارك، كان لعدد كبير جدا من زبائن الشركات أهمية قصوى كما كانوا مربحين بالنسبة لصناعة التداول بالأوراق المالية. وقد وجدت هذه الصناعة طرقا أخرى، قد تكون فاسدة، بغرض المنافسة بين الشركات التجارية. وقد كانت هناك شركات أوراق مالية تضمن لمستثمري الشركات بان يتم تحقيق مبالغ معينة لهم كحد أدنى من العائدات وبقيامها، بكل فعالية، بتعويض العميل في حال حدوث هبوط في الاستثمار بالنسبة للقيمة. كما قامت شركات الأوراق المالية بتمويل هذه الممارسة المكلفة من الأرباح التي كانت تكسبها من الأجور التي تم تثبيتها من قبل الحكومة والخاصة بتقديم خدمات السمسرة للزبائن الكبار والصغار. ومن هنا فان مؤسسات الأوراق المالية عملت على تدوير برنامج تحديد الأسعار ليصبح برنامج تحويل يعمل على انتقال الموارد من المدخرين المنزليين إلى مستثمري الشركات الكبار.
فعندما تقوم الحكومة بمنع الشركات من التنافس على الأسعار فان تلك الشركات سوف تتنافس على أية نواحي تكون مفتوحة أمامها. وفي حقبة تنظيم الخطوط الجوية الأمريكية التي قام خلالها مجلس الطيران المدني بتثبيت الأسعار، حاولت شركات الخطوط الجوية جذب الزبائن من خلال تقديم الطعام والمقاعد الخالية والسفرات المتكررة وقد يكون هذا الشكل من المنافسة مكلفا كالتنافس على الأسعار. وبالرغم من ارتفاع الأسعار والحماية من دخول مشتركين جدد في هذا المجال فان الشركات الناقلة القائمة عندئذ قامت بالتنافس مستخدمة الأجور التي تتقاضاها ولم تكن تجني من ذلك أرباحا عالية.
تحديد الأسعار في الوقت الحالي
بالرغم من التاريخ المزعج لتحديد الأسعار، استمرت الحكومة في اتباع هذه الممارسة وقامت في بعض الحالات بتمويه هذه السياسات باستخدام برامج تسعير مدروسة إلا أنها أدت إلى حدوث مشاكل خطيرة للمنتجين والمستهلكين.
تحديد الإيجارات. يقدم تحديد الإيجارات مثالا تقليديا على التشوهات التي تنجم عن تحديد الأسعار. هناك عدد كبير من الأشكال المتنوعة من تحديد الإيجارات لكنها جميعا تأخذ شكل الأسعار التي هي دون مستوى السوق والتي قد تم فرضها بالقانون بالنسبة للإسكان الاستئجاري. وقد تم تدوين نتائج ذلك بشكل جيد كما تم استغلالها بشكل جيد. أولا، فقد تم حدوث نقص في وحدات الإسكان المعروضة للإيجار بما أن المالكين اصبحوا اقل اهتماما في تأجير أملاكهم وفق أسعار دون مستوى السوق. وعوضا عن ذلك، اختار المالكون أن يسكنوا هم أنفسهم في الوحدات المعروضة للإيجار أو قاموا بتأجيرها إلى أقاربهم أو بيعها.
وقد أدى هذا النقص في الوحدات السكنية إلى مجموعة من التشوهات ذات العلاقة، فعلى سبيل المثال، نظرا لوجود طابور من الأفراد لديهم رغبة في استئجار كل شقة من الشقق الإسكانية وان المالكين غير مسموح لهم بالتمييز القائم على الأسعار، قام المالكون بالتمييز وفق أي جانب من الجوانب التي يرضون بها هم. ربما يقوم المالكون بطلب دفعات غير معلنة من المستأجرين أو قد يطلبون من المستأجرين تقديم “بدل خلو” كي يتم التوقيع على عقد الإيجار. إضافة إلى ذلك، سيكون لدى المالكين حافز اقل يدفعهم نحو صيانة شققهم كما سيكون هناك المزيد من الصعوبة أمامهم في التعويض عن تكاليف التحسينات التي قاموا بها بفضل السعر الذي قامت الحكومة بتثبيته، وفي نفس الوقت سيكون هناك طلبا قويا على الشقق بغض النظر عن حالتها. ونتيجة لذلك سوف تهبط نوعية وجودة قطاع الإسكان وقد يصبح هذا المجال جاذبا لسكان اقل ثراء، الأمر الذي يضر بتجارة الأحياء السكنية وسيكون توفير اسكانات جديدة اقل ربحا من ناحية الإنشاءات إذا قامت الحكومة بتحديد أسعار الإيجارات، وهكذا، سيكون هناك عدد اقل من المستثمرين الذين سيدخلون في هذا المجال وسيحدث بطء في النمو الاقتصادي.
الرعاية الصحية “ميدك إيد” والأدوية. في العام 1990 أصدرت الحكومة الفيدرالية قانونا تم بموجبه تحديد مستويات أسعار جديدة يجب على حكومات الولايات أن تقوم بدفعها مقابل الأدوية التي تقدمها الرعاية الصحية “ميدك إيد”، وقد تباينت هذه الأحكام وفق تباين الأدوية، إلا انه في بعض الحالات كان من حق “ميدك إيد” أن لا تدفع اكثر من الحد الأدنى لمستوى الأسعار الذي تفرضه شركة الدواء على أي زبون آخر.
قد يبدو مثل هذا البرنامج معقولا إلا انه يعمل على تشويه الحوافز الدافعة في سوق الأدوية. تقوم “ميدك إيد” باستخدام شبكة من سلسلة مؤسسات وصيدليات مستقلة قائمة فعليا بغرض توزيع الأدوية على أعضائها إلا أن عدداً كبيراً من هذه المؤسسات ليست لديها مقياس تدرج في المساومة خاص بأسعار جيدة، كما انه ليس لديها سيطرة للتأثير على الأطباء الذين يقدمون الوصفات الطبية. وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن لا تحصل على السعر الأقل السائد في السوق والذي يذهب إلى كبار المشترين والى تابعي منظمة الرعاية الصحية أو آخرين لديهم القدرة على “تحريك حصة السوق”.
وعندما وجدوا بان عليهم أن يقوموا بتقاضي أجور من “ميدك إيد” وفق الحد الأدنى من الأسعار التي تقدم لأي زبون آخر عملت شركات الأدوية على خفض مقدار الحسومات. وقد نتج عن القانون المذكور زيادة في نفقات الدواء بالنسبة لكثيرين من مشتري القطاع الخاص لان شركات تصنيع الدواء حاولت أن ترفع الأسعار فوق أسعار المبيعات الحكومية.
فشل السوق
أحد الأسباب التي دعت الحكومة للجوء إلى تحديد الأسعار هو أن تضمن بان يتم بيع السلع والخدمات وفق سعر “عادل”. وضمن وضع يتوفر به عدد كبير من المستهلكين الذين لديهم اطلاع جيد والذين يشترون سلعهم من عدد كبير من البائعين لديهم القدرة على تطوير سمعة تجارية بالنسبة للجودة العالية أو المنخفضة، فان عمل السوق الحر سوف يعمل بشكل جيد، كما سيكون سعر السوق سعرا “عادلا” ويعود ذلك إلى التنافس بين المبتكرين وبين المشترين. ومع ذلك، هناك مناسبات معينة يتم بها إحباط الداخلين في هذا المجال أو قد تكون المعلومات المتاحة لفرد واحد أو اكثر معلومات ضئيلة.
في مثل هذه الحالات، يجوز للحكومة أن تقوم بفرض تحديد للأسعار في محاولة منها لحماية المواطنين من الاستغلال. قد يحدث مثل ذلك إذا كان على المرضى مثلا اختيار الأدوية دون طلب مساعدة الأطباء. في مثل هذه الحالة، قد يحتاج المرضى إلى حماية الحكومة ضد الأسعار المرتفعة بالنسبة للأدوية الخاطئة. لقد عمل نظام الرعاية الصحية الحديث الخاص بنا على إزالة هذا القلق من خلال توظيف أطباء وصيادلة ولجان متفق عليها لهم إلمام بذلك ولهم تأثير على الاختيار الصحيح للدواء.
“إن سعر السوق لأية سلعة معينة سيكون من النادر أن يستمر لمدة طويلة دون مستوى سعرها الطبيعي مع انه قد يستمر لمدة طويلة اكثر من المتوقع. ومهما يكن الشيء الذي تم دفع سعره بشكل اقل من السعر الطبيعي فان الأشخاص الذين تأثرت مصلحتهم بهذا السعر الأقل سوف يشعرون فورا بالخسارة وسيقومون في الحال بسحب إما تلك الأرض أو أولئك العمال أو تلك الحصة بحيث لا يتم استخدامها بشكل يعمل على زيادة الكمية التي تم جلبها إلى السوق عما يكفي من العرض للوفاء بالطلب. وبناء على ذلك، سوف يرتفع سعرها في السوق في وقت قريب ليصل إلى السعر الطبيعي وهذا هو، على الأقل، ما سيكون عليه الحال مع وجود الحرية الكاملة.” آدم سميث، في كتابه: ثروة الأمم.
لقد قامت مجتمعات “البيوريتان” الأوائل، الذين ورد وصف لهم في كتاب هاغ روكوف المسمى إجراءات متطرّفة: تاريخ تحديد الأجور والأسعار في الولايات المتحدة الأمريكية، بإهمال تحديد الأجور والأسعار التفصيلية بعد فرضها في العامين 1630 و1633 بوقت قصير نظرا لكونها غير فعالة. وكانت القوانين اللاحقة التي صدرت ضد الأسعار “المفرطة” غامضة بشكل اكبر وكانت، حسب قول روكوف، تهدف إلى الحيلولة دون “البيع الذي يقع تحت بند الاحتيال أو الجهل أو الاحتكارات القصيرة المدى وليس إلى إجراء خفض في سعر التوازن في سوق معين.” كان تفسيره لذلك هو أن البيوريتان واجهوا أسواقا استعمارية غير متطورة وانه “من غير الممكن الاعتماد على المنافسة في تنظيم الأسعار وحماية المستهلكين.” وبالإمكان التخفيف من آثار فشل السوق، مثل الافتقار إلى الدخول في هذا المجال، وذلك بواسطة تحديد الأسعار تحديدا صحيحا، من الناحية النظرية على الأقل. وتكمن الصعوبة في ذلك في عملية التنفيذ. من الناحية النموذجية،
ليس هناك كيان لديه الاطلاع الجيد بحيث تتاح له القدرة على تحري الخلل بالضبط وان يختار السعر الصحيح لتصحيح الوضع ومن ثم يتم إجراء تعديل عليه وتطبيقه بشكل يسير. والمنافسة هي الأداة التي تعتبر افضل من استخدام تحديد الأسعار بالنسبة لحماية المستهلكين، ويبدو بان البيوريتان قد تحققوا من ذلك وقاموا تدريجيا بالتوقف عن استخدام تحديد الأسعار. وكما كتب روكوف يقول: “على المرء أن يتوقع أن يقل إصدار تدفقات سلسلة من المعلومات وان تقل الحاجة إلى التنظيم بما أن الأسواق تنمو وتزداد، وبالفعل فقد بدا بان مثل هذا الشيء قد تم حدوثه.”
ومن الناحية الأكثر نموذجية، تحاول الحكومات معالجة التأثيرات السيئة التي تنجم عن تحديد الأسعار من خلال الإعانات الحكومية الداعمة لهذا النشاط المحبط. وفي مجال الصناعات الدوائية، تذهب تلك الإعانات الحكومية نحو البحث والتطوير، وبفعل خفض تكلفة البحوث قد تسترد الإعانة دخل السوق الحر. ومع ذلك، فقد تبرز للمرة الثانية صعوبة في عملية اختيار مستوى الإعانة والتي يتم بواسطتها البت فيما إذا كان من الممكن تقديمها وكيف يتم تقديمها بغرض تقديم ربح للشركات ولتجنب القيام بأعمال ضغط وفساد غير فعالين. فمن الناحية العملية، تعتبر هذه المسائل غاية في الصعوبة بالنسبة لكيفية إدارتها بطريقة يستفيد منها المستهلكون.
خفض الأسعار من خلال السوق
لقد وجد القطاع الخاص عدة طرق ناجحة بشأن خفض الأسعار التي يتم دفعها من قبل المشترين. وفي معظم الحالات، يمكن للحكومة أن تستخدم أساليب متماثلة بغرض الحصول على أسعار رخيصة بالنسبة للأدوية التي تتم وفق وصفات طبية دون أن تقوم بالتشويش على السوق التنافسي.
الشــراء بالجملة. إن النهج الأكثر شيوعا هو أن تتم الاستفادة من مقياس التدرج. فالمشتري الذي تمثل مشترياته حجما ضخما من الصفقات التجارية في السوق يمكنه أن يقوم بالمساومة بغرض الحصول على سعر افضل من خلال التهديد بالرجوع عن دمج الصفقات أو أن يقوم بنقل تجارته إلى مورِّد سلع منافس له (إذا لم يكن المنتج محميا ببراءة اختراع). إضافة لذلك، يعمل المشتري الذي تكون مشترياته ضخمة على إتاحة فعاليات يتم تقديمها للبائع. فتكاليف الصفقة التجارية المنخفضة (فاتورة واحدة ومساومة واحدة وشحنة واحدة) وحجم الصفقة المضمون واقتصاديات مقياس التدرج سوف تعمل على استحداث توفير في التكلفة بالنسبة للمورد بحيث يمكن للطرفين من تقاسمها. هناك أمثلة لا حصر لها قدمها القطاع الخاص تدل على هذا النهج، فعل سبيل المثال، تقوم سلسلة أسواق السوبر ماركت الضخمة بدفع أسعار للسلع المرزومة بحيث تقل عن أسعار المحلات التجارية القابعة في الزوايا وذلك بسبب المشتريات المركزية الواسعة النطاق.
هناك نقطة اكثر ذكاء إلى حد طفيف لها علاقة بالصناعات الدوائية وهي أن المشتري الذي يتعامل مع أحجام كبيرة يمكنه في معظم الأحيان أن يحصل حتى على أسعار منخفضة من خلال مساعدة مورده على زيادة حصته في السوق. وبإمكان مؤسسات التأمين أن تتفق على تعليم أو تشجيع الأطباء على تقديم وصفات طبية لدواء معين. وفي مقابل عمل التغيير في حصة السوق ضمن شبكة المورد، سوف تعرض شركة تصنيع الدواء على المورد أسعارا اقل.
تعزيز المنافســة. بإمكان المشتري أن يقوم بشكل صريح بتعزيز المنافسة في المكان الذي لا توجد فيه منافسة. فعلى سبيل المثال، بدأت عدة شركات ضخمة في منطقة ديترويت مؤخرا بتمويل شركة خطوط طيران صغيرة منخفضة التكاليف سميت باسم “برو إير” بحيث تعمل من ذلك المطار. وفي مطار ديترويت تهيمن شركة الطيران “نورث ويست إيرلاينز” التي تتقاضى أجورا عالية إلى حد ما لسبب يعود إلى عدم وجود منافس أمامها. وتقوم كل شركة من شركات “جنرال موتورز” و”ماسكو” و”ديملر كرايزلر” بدفع مبالغ ثابتة من المال كل شهر مقابل عدد معين من الرحلات الجوية الخاصة بموظفيها، الأمر الذي يعطي شركة الخطوط الجوية المبتدئة استقرارا ويتسبب في جعل منافسيها التيقن من انه ليس بالإمكان أن يتم إخراجها من هذه التجارة. وبفعل تشجيع الدخول إلى هذا المجال والحفاظ على منافس منخفض التكلفة أمام شركة “نورث إيرلاينز” سوف تقوم الشركات بالتوفير في مجال رحلات الطيران التي يسافر بها موظفيها على شركة “برو إير” وكذلك من خلال أي خفض يتم في الأسعار التي تقدمها شركة “نورث إيرلاينز” استجابة للمنافسة.
المعلومــات. هناك طريقة أخرى للحصول على أسعار منخفضة من خلال السوق، وهي أن تقوم مؤسسة مستقلة بتقديم معلومات حول البدائل المنافسة إلى المشترين الفرديين. وباستخدام هذه المعلومات يمكن للمستهلك المطلع أن يقوم بتحديد المنتج الذي يناسب بالشكل الأفضل احتياجاته ويمكنه أن يطالب بسعر مخصوم عندما يشتري منتجا مختلفا. هناك الكثير من الشركات الضخمة التي تسلك هذا النهج في البرامج الصحية الخاصة بموظفيها ويجوز للموظف أن يقوم باختيار برنامجا من مجموعة من البرامج المعتمدة وتقوم الشركة بتقديم تصنيفات ترتيبية أو بطاقة إحراز نقاط لمساعدة الموظفين للمقارنة بين البرامج. وتتسبب هذه التصنيفات في جعل البرامج تتنافس فيما بينها على الزبائن بالنسبة للأسعار ولنواحي الجودة.
الخلاصة
إن فرض تحديد الأسعار على سوق تنافسي يعمل جيدا سوف يضر بالمجتمع من خلال خفض الكميات التجارية في المجال الاقتصادي وسيعمل على خلق دوافع تدفع إلى تبديد الموارد. هناك العديد من الباحثين الذين وجدوا بان تحديد الأسعار يعمل على خفض الدخول في مجالات التجارة والاستثمار على المدى الطويل. ومن الممكن أن يقوم تحديد الأسعار بخفض الجودة وان يخلق سوقا سوداء وان يحفز على الترشيد المكلف. وفي حالة الأدوية، يكون، على الأرجح، المجال الذي يصيبه الضرر بالشكل الأكبر هو مجال الخفض في الاكتشافات والاختراعات بحيث تضر جميع مرضى الأجيال القادمة.
ومع أن صانعي السياسات يعرفون بان تحديد الأسعار يمكن أن يكون ضارا جدا فانهم مستمرون في الحصول على دوافع قوية تدفعهم نحو تشريع أسعار منخفضة لأنفسهم، الأمر الذي يؤدي في اغلب الأحيان إلى تبني المزيد من تحديد أسعار أكثر تعقيدا. وتقوم الحكومة بتثبيت أسعارها بإرجاعها إلى بعض الأسعار المرجعية في الاقتصاد وليس باختيار رقم ثابت أو أن تقوم بتحديد أسعارها بمقدار ثابت دون ذلك المقدار الخاص بمستهلكين آخرين. إن مثل هذه البرامج سوف تعمل على تدمير الرخاء الاقتصادي من خلال إدخال دافع جديد إلى السوق—والذي قد يكون من ناحية أخرى سوقا عاملا بشكل جيد—فإما أن يكون السعر للمستهلكين غير الحكوميين مرتفعا أو أن يرتفع السعر المقدم للمستهلكين الفقراء. وبشكل عام، فان السعر المرجعي الذي تقوم الحكومة باختياره سوف يرتفع بسبب تحديد الأسعار وليس بسبب التغيير الذي طرأ على قوى العرض والطلب المخفية.
من الطبيعي أن تقود الشهادة الدامغة ضد تحديد الأسعار إلى التفكير في طرق أخرى لخفض تكاليف الشراء. فالقطاع الخاص يستخدم عدداً كبيراً من الطرق التي تكون فعالة ومتوافقة مع اقتصاد السوق. قد تكون مثل هذه الأساليب، عند استخدامها من قبل سوق القطاع الخاص، اقل ضررا إلى حد كبير بالرخاء الاقتصادي من تحديد الأسعار الذي تفرضه الحكومة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 30 أيار 2006.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018