peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

كلّ الشكر إلى العمل الريادي المقدم من نخبة من المفكرين، فقد كان اهتمام المفكرين، وصانعي السياسات، والعامة مركزاً على دور القانون في بناء المؤسسات ودور المؤسسات في تكوين التنمية الاقتصادية. وقد ساهمت الليبرالية في سعادة البشرية عن طريق تركيزها بشكل متزامن على تفويض وتحديد مجموعة من المؤسسات التي توجد، وتخلق، وتعزز القانون. من أجل فهم علاقة الليبرالية بهذه المؤسسات فإنه من السهل أن نعمل تمييزاً بسيطاً، وهو التمييز بين أن تكون “ضد الحكومة” وأن تكون في صالح “تحديد الحكومة”، وغالباً ما يتم الخلط بينهما، خاصة من قبل أعداد معترف بها من أعداء الليبرالية والذين يفضلون الحكومة الغير محدودة، لكن لا يمكن لهما أن يكونا أكثر اختلافاً. فعلى سبيل المثال يُعتبر المجرمون والإرهابيون الذين يريدون تدمير الحياة والحرية والممتلكات “ضد الحكومة”، فهم يسعون إلى إضعاف الحكومة، وبالمقابل، فإن الليبراليين الذين يطالبون بتحديد الحكومة، لا يسعون لتدميرها، بل لتقويتها لتؤدي مجموعة محدودة من الوظائف القيّمة بشكل فعال.
إن ما يطمح إليه الليبراليون هو ليس حكومة ضعيفة، بل حكومة فعالة، وقانونية وشرعية ومحدودة، أي حكومة تستطيع تنفيذ مهام معينة بشكل فعال وكَفوء، ولكن عليها أن تكون محددة بهذه المهام فقط. ما هو ضروري حقاً أن تكون هذه الحكومة حكومة قانون، أكثر من أن تكون حكومة قوة أو عنف.
إن معظم الحكومات حول العالم تقوم بكلتا الوظيفتين معاً: أكثر من المطلوب و أقل منه. فهي تقوم بأكثر مما هو مطلوب عندما تنفذ مهاماً لا يجب تنفيذها على الإطلاق، مثل فرض الاحتكارات والقيود على التجارة الحرة، أو تنفيذها لمهام يمكن أو يجب تنفيذها بمساعدة منظمات المجتمع المدني، سواء أكانت تزويد خدمات الهاتف أو إدارة مراكز العناية بالأطفال، كما تقوم بما هو أقل من المطلوب عندما تفشل بتعريف الحقوق في استخدام المصادر النادرة، وعندما تفشل بتزويد خدمة الدفاع عن الحياة والحرية والملكية. تكمن الطريقة لتحرير المصادر من أجل السماح للحكومة بتنفيذ مهامها القيمة بشكل جيد في منع الحكومة من عمل كل تلك الأمور التي لا يجب عملها إما لكونها غير عادلة أو لأنه يمكن عملها بشكل أفضل من قِبل التنسيق الحر والطوعي للمواطنين. وبهذا لن تقوم الحكومة بوظيفتها بشكل أفضل فقط، بل إنها عندما تقوم بتعريف وحماية الحقوق والأسواق والمنظمات الطوعية بشكل أفضل، فإنها بذلك توفر الثروة والتقدم.
لماذا تعتبر المؤسسات مهمة؟
تعتبر المؤسسات مهمة لأن الحوافز مهمة، إذ تحث الحوافز الأفراد والجماعات على التصرف بطريقة ما وليس بأخرى، وتحث الحوافز الجيدة الأفراد والجماعات على التعاون من أجل إنتاج القيمة عن طريق الإنتاج والتبادل ومن أجل تجنب وتفادي العنف. تحث الحوافز الجيدة الأشخاص والجماعات على إلقاء المسؤولية على الأشخاص الأكثر قدرة على إنتاج قيمة معينة. تتكون هذه الحوافز من قبل المؤسسات، والتي تضم ليس مجرد منظمّات وإجراءات رسمية كالهيئات الحكومية التنفيذية والتشريعية والمحاكم والأحكام القانونية المدوّنة ومراكز الشرطة، بل أيضاً هيئات وإجراءات غير رسمية وغير حكومية كالمعايير الأخلاقية، والسُمعة والتوقعات المتبادلة بشأن السلوك، والكثير غير ذلك. يمكن لفرض القوانين والإجراءات أن يكون داخلياً؛ أي أن تَفرِض هذه القوانين أطرافٌ متأثرة بهذا الإجراء، أو أن يكون خارجياً؛ أي أنه يجب أن يقوم طرف ثالث تحكيمي بفرض هذه القوانين أو أن تقوم منظمات النظام القضائي بذلك.[1] يواجه المرء حافزاً عندما يتوقع شعوراً بالخجل، كخسارة سمعة قيّمة مثلاً أو ضياع فرصة معينة للكسب، أو أن يفرض الآخرون عليه عقاباً أو يقدموا له مكافأة، سواء كان ذلك منظّماً ضمن هيئة حكومية أم غير منظم.[2]
إن الكثير من الناس لا يفهمون أهمية بناء المؤسسات بطريقة صحيحة، فهم لا يفهمونها لأنهم لا يزالون يؤمنون بالسحر. قلائل هم الذين يؤمنون أن أنشودة الكلمات السحرية أو التعويذة تمارس سلطة على العالم. أغلبنا يؤمن بالسبب والنتيجة، وبردِّ النتائج إلى أسبابها. وقد نجح هذا المنهج العلمي في المجالات التحقّقية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا. عندما يتعلق الموضوع بعلم السلوك الإنساني، فإن الكثير من الناس وربما معظمهم ما زالوا—للأسف—يؤمنون بالسحر، لأنهم يؤمنون بأن هناك مجموعة خاصة من السحرة القادرين على تغيير العالم بقوة الكلمات فقط؛ ويعرف هؤلاء السحرة بالمُشرِّعين وسانِّي القوانين، والحكام، والرؤساء. ولذا معظم الناس يصدّقون عندما يقول هؤلاء الأشخاص كلمات مثل “يعطي القانون الحق لكل مواطن برعاية صحية جيدة، أو حقّ التعليم الجيد، أو بمستوى معيشي أرقى”، أن هذه الكلمات تحمل القوة التي تحقق النية الكامنة وراءها.
إن الأشخاص الذين يؤمنون بمبادئ السبب والنتيجة لا رغبة لهم بالتحقّق من النية المعلنة في قانون ما، فهم لا يتحققون فقط من نية المُشرِّعين، بل أيضاً من آلية السببية. فكيف يتم إدراك هذه النية؟ وما هو التأثير المحتمل للقانون المُسَنّ من قبل المُشرِّعين؟ إن السؤال عن التأثيرات المحتملة للقانون المُسَنّ من قبل المُشرِّعين هو نفسه السؤال عن الحوافز التي يواجهها الأفراد والجماعات. هل سيأتي القانون بحوافز تعمل على حث الناس على إيجاد رعاية صحية أو مستوى تعليمي أفضل أو مستوى معيشي أرقى؟ إن السؤال عن الحوافز هو نفسه السؤال عن المؤسسات التي تقدم نموذجاً خاصاً لهذه الحوافز.
إن الفرق بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واضح من صور القمر الصناعي الليلي. إذ يبدو الشمال مظلماً تماماً بينما يتوهج الجنوب بالضوء، ماذا يعني ذلك؟ إن الحوافز لدى الناس تخلق الضوء، ويتم تكوين الحوافز بواسطة المؤسسات.
المؤسسات والتكنولوجيا

لقد تم إثبات أن المحدد طويل الأمد للنمو الاقتصادي ليس ببساطة الاستثمار الرأسمالي؛ أي إضافة آلات أو أبنية أكثر، بل هو نمو وتطبيق المعرفة. كما أشار جويل موكير “إن الاختلافات في المؤسسات هي أفضل في شرح اختلافات مستويات الدخل في المقطع العرضي في اللحظة المعطاة. تستطيع المعرفة أن لا تتأثر—وهي فعلاً لا تتأثر—بالحدود القومية، إن لم تكن دائماً بالسهولة غير الخلافية التي يتخيلها بعض الاقتصاديين. إذا كان السبب الوحيد لكون ألمانيا أغنى من زيمبابوي اليوم هو أن المانيا تملك كمية أكبر مما تستغله من معرفة، عندئذ يمكن إزالة الاختلاف في وقت قصير نسبياً. مع ذلك إذا سُئلنا، لماذا ألمانيا اليوم أغنى منها في عام 1815، عندها لا يمكننا مهاجمة التكنولوجيا على الرغم من أن المؤسسات الفضلى يمكن أن يكون لها أهمية أيضاً.”
ومع ذلك، كما يظهر موكير، فإن نمو التكنولوجيا معتمد بشكل عميق بالمحافظة على المؤسسات الملائمة. تُعتبر بعض المؤسسات ملائمة لنمو المعرفة والتكنولوجيا أكثر من غيرها، وحتى عندما تكون التكنولوجيا متوفرة في الكتب أو الأشكال الأخرى، فإن عدم وجود الحقوق لحماية الملكية يجعلها عديمة الجدوى. ما هو جيد أن التغير نحو المؤسسات الجديدة قد يسمح للدول الفقيرة جداً بزيادة دخلها ورفاهية سكانها من خلال النمو الاقتصادي بسرعة لافتة، وذلك بتبني التكنولوجيا الجاهزة من الدول الأخرى ووضعها قيد الاستعمال الجيد. كما أشار يوهان نوربيرغ “يشير التاريخ أن الاقتصاد يمكن أن ينمو بشكل أسرع بالاعتماد على ازدهار وتكنولوجيا الدول الأخرى. لقد استغرق من انجلترا 58 سنة لمضاعفة ثروتها منذ عام 1780. بعد مائة عام فعلت اليابان الشيء نفسه في خلال 34 سنة، وفي القرن اللاحق استغرق ذلك من كوريا الجنوبية 11 عاماً فقط.” إن الزيادة السريعة في معايير العيش في الدول الفقيرة سابقاً مثل كوريا الجنوبية هو دليل قوي على قدرة المؤسسات العاملة على السماح للناس الفقراء بتخطي مئات من سنوات التنمية البطيئة المتصاعدة التي مرت بها الدول الأخرى والوصول إلى ازدهار استثنائي في وقت قصير نسبياً.
على مقياس أصغر، فإن قفزة العديد من الدول إلى الأجهزة الخلوية عند إزالة الاحتكارات الحكومية يوضح أنه يمكن استيراد التكنولوجيا بشكل سريع عند إنشاء المؤسسات الملائمة، وذلك يسمح بالتقدم السريع في النمو الاقتصادي والعيش الكريم. هذه هي الأخبار الجيدة، لكن يجب تصنيف المؤسسات بشكل ملائم أولاً.
“طوائف الحمولة” مقابل الاستدلال العلمي
لا يمكن للطريقة العلمية مع ذلك أن تتوقف فقط عند استـحضار الكـلمة الســرية “المؤسسات.” يجب على المرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك ويتساءل: كم تؤثر المؤسسات في الاختلاف وكيف يكون ذلك؟ أيكون كافياً أن ننسخ ببساطة كل مؤسسات المجتمعات الغنية وأن نعيد إنشائها في المجتمعات الفقيرة؟
إن الجهد لفعل ذلك يذكِّر بـ”طوائف الحمولة” للمحيط الهادئ الجنوبي. حيث وصف الفيزيائي الشهير ريتشارد فينمان ما أطلق عليه “علم طائفة الحمولة” في خطاب التخريج في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا:
“في البحار الجنوبية يوجد طائفة حمولة البضائع من الناس. خلال الحرب رأوا طائرات تهبط مع الكثير من البضائع الجيدة وأرادوا الشيء نفسه أن يحدث الآن، لذلك رتبوا تقليد الأشياء كالطرق ولوضع النيران على جوانب الطرق، ولصنع كوخ خشبي ليقف فيها الشخص مع قطعتين خشبيتين على قمته مثل السماعات وقضيبين من الخيزران مثبتين كالهوائيات—هو المراقب—وانتظروا الطائرات أن تهبط، إنهم يفعلون كل شيء بشكل صحيح. إن الشكل مثالي. إنها تبدو تماماً كما بدت سابقاً لكنها لا تعمل، لم تهبط الطائرات، لذلك سأطلق على هذه الأشياء علم طائفة الحمولة لأنها تتبع الأشكال والمبادئ الظاهرية للبحث العلمي لكنها تفتقد شيئاً أساسياً لأن الطائرات لا تهبط هناك. والآن يتوجب عليَّ بالطبع أن أخبركم ما الذي ينقصهم، لكنه سيكون من الصعب أن أشرح لسكان جزر البحر الجنوبي كيف يتوجب عليهم أن ينظموا الأمور للحصول على ثروة أكثر في نظامهم، إنه ليس بالأمر السهل بأن نخبرهم كيف يطوروا أشكال سماعات الأذن.”
غالباً ما يقوم صانعو السياسة في الدول النامية وبشكل أهم صانعي السياسة في الدول المتقدمة ومنظمات العون الدولية بإخبار الناس في الدول النامية أن يطوروا شكل سماعات الأذن عندهم، فهم يقررون أنه إذا امتلك الفقير المؤسسات التي يتمتع بها الغني اليوم، فهم أيضاً سيكونون أغنياء. أتذكر عندما كنت أعمل في الاتحاد السوفييتي السابق والتقائي بموظفي الحكومة الأمريكية الذين كانوا مشغولين في إعداد نسخة عن هيئة التبادل والسندات المالية للولايات المتحدة الامريكية، حيث كان ذلك متطلب أساسي لوجود سوق رأسمالي فعّال، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك ملكية خاصة بشكل فعلي بعد، إلا أنهم قاموا بتطبيق منطق بسيط ولكن منطوٍ على مغالطة، كما يلي:
‌أ. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية هيئة التبادل والسندات المالية؛
‌ب. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية سوق رأسمالي عالي التطوير؛ ولذلك
‌ج. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية سوق رأسمالي عالي التطوير لأنه فيها هيئة التبادل والسندات المالية؛ ولذلك
‌د. إذا كان على روسيا أن تملك سوقاً رأسمالياً عالي التطوير، فإنها تحتاج أولاً إلى هيئة تبادل وسندات مالية خاصة بها.
في رومانيا مباشرة بعد سقوط تشاوشيسكو بُذلت جهود كبيرة لإنشاء أنظمة تجارية محوسبة لسوق مالي لم يوجد بعد. وقد تروى قصص متشابهة عن المحاولة لنسخ الانماط الخارجية—شكل سماعات الأذن—للنظم البنكية والمالية، وقانون التنافسية، ومؤسسات أخرى، تلك أمثلة على “صناعة سياسة طائفة الحمولة.” إذا قمت بإنشاء هيئة التبادل والسندات المالية أو نظام محطات تجارة محوسبة، فإن تجّار البورصة، ورجال الأعمال وأصحاب المبادرة، والرأسماليين سوف يرون تلك الأنظمة على أنها معلّقة فوق الرؤوس وسوف يقررون الهبوط، مخدوعين من قِبل الشرك الذكي المصمم من قبل صانعي السياسة.
بالكاد يكون نموذج طائفة الحمولة للتنمية الاقتصادية شيءً جديداً. في الحقيقة، أحد الأمثلة الأكثر شؤماً لتلك العقلية أُعطي من قبل في. أي. لينين على المؤسسة المعنية للتجربة الاشتراكية. كما أشار لينين، فإن إدارة المصانع سهلة: “يصبح كل المواطنين موظفين وعمال لولاية (نقابة) البلاد الواحدة. كل ما هو مطلوب أن يعملوا بشكل متكافئ، وأن يقوموا بما مطلوب منهم عمله، وأن يتم الدفع لهم بالتساوي. ولهذا فقد تم تبسيط المحاسبة والسيطرة الضرورية من قبل الرأسمالية للحد الأقصى وتم تخفيضها للعمليات البسيطة بشكل استثنائي—والتي يستطيع أي شخص متعلم انجازها—من الإشراف والتسجيل، ومعرفة قواعد علم الحساب الاربعة، وحتى اصدار وصولات ملائمة.” ما الذي يمكن أن يكون أبسط؟ لقد نظر بحرص لينين ورفاقه إلى الشركات الرأسمالية كما نظر الميلانيزي في العصر الحجري إلى الطرق وأبراج المراقبة. وعرفوا ما وجب عمله وقد أدوه، مع الحصول على نفس النتيجة.
إذا أقبل شخص على إقامة مقارنات، في أية قضية، فإنه من الأفضل أن ينظر، ليس إلى ما تملكه الدول الغنية اليوم، ولكن إلى ما طورته خلال فترة تحولها من بلاد نامية إلى بلاد متطورة. إن الأمر ليس فيما تملكه البلدان الغنية من مؤسسات اليوم، عندما تكون غنية وقادرة على تحمّل السياسات غير الفعالة، ولكن فيما ملكته من مبرر لتطورها.
في 1992 نبّه ميلتون فريدمان الجــمهور في مــؤتمر كـهذا في مدينة مكسيكو “إن الولايات المتحدة ليست النموذج لمدينة مكسيكو، أو أي من تلك البلاد. كنموذج لكَ، خذ الولايات المتحدة في السنوات المائة والخمسين الأولى.” في السنوات الأخيرة، كما أشار فريدمان، كان هنالك عدد كبير من المؤسسات غير الفعالة التي تم إنشاؤها في الولايات المتحدة والتي خفضت النمو الاقتصادي أقل مما كان عليه، ولكن—على الرغم من ذلك—كان من الممكن تحمّلها من قبل دولة غنية جداً. “نستطيع تحمل كلامنا التافه لأنه ولفترة طويلة كان لدينا وقت لبناء قاعدة، لذا كان باستطاعتنا تحمل الهدر.” دعونا نطبق استنتاج فريدمان من خلال النظر إلى البلاغات الحالية للسلطة التنظيمية في الولايات المتحدة الأمريكية. في عام 2002 عبأت هذه البلاغات 75606 صفحة من السجل الفيدرالي وكلفت الأمريكيين 860 بليون دولار كفرص ضائعة للثروة و25 بليون دولار في النفقات الإدارية، والتكلفة المجتمعة 885 بليون دولار. بالمقابل، فإن جميع الأرباح ما قبل الضريبة على الشركات الأمريكية مجتمعة في تلك السنة وصلت إلى 699 بليون دولار، أو 186 بليون دولار أقل من تكلفة الأنظمة. إن الدولة الأفقر—وبالأخص تلك التي على الحد الأدنى من البقاء—ستشعر مباشرةً بتكلفة تلك الأنظمة المعقدة. إن مؤسسات تنظيمية كهذه، على الرغم من أنها تتواجد مع ثروة حقيقية، قد تكون مسببة لكارثة في البلدان الفقيرة التي قد لا تحتمل المصاريف الهائلة اللازمة للاستجابة لتلك الأنظمة. أشار البنك الدولي مؤخراً أنه “لكي يكون للأساليب التنظيمية في الدول النامية فرصة واقعية للنجاح، عليها أن تكون أبسط، وبالغالب أقل كثافة في المعلومات، وأقل عبئاً على المحاكم.” كان على البنك الدولي أيضاً أن يضيف أن معياراً كهذا قد يكون مرحباً به في الدول الغنية.[3]
نسخ أكثر لن يجدي
مثال آخر على صناعة سياسة طائفة الحمولة هو المحاولة لنسخ قواعد رأس المال الأمريكية كقاعدة للنظام الصناعي في الدول النامية. تملك أمريكا نظاماً واسعاً لملكية الأسهم، بوجود خمسين بالمائة من العائلات الأمريكية تملك أسهماً في شركات تجارية عامة. ولكن كما أشار روبرت أنديرسون، الموظف السابق في البنك الدولي، إن ملكية الأسهم المعقودة بشكل واسع ليس شرطاً ضرورياً للنمو الاقتصادي. “ضمن الشركات الكبرى العامة، لم تكن النسب للأسهم المتعاقد عليها بشكل واسع عالية إلا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان. وكانت النسبة في هذه الدول الثلاث 80-100% أما في البلدان الأخرى فكانت الحصص أصغر، فمثلاً، كانت 60% في كندا وسويسرا وفرنسا؛ و50% في ألمانيا؛ و10% أو أقل في هونغ كونغ والنمسا وبلجيكا واليونان.” بالكاد تكون بلجيكا من بلدان العالم الثالث، على الرغم من حقيقة أن اقتصادها يملك قاعدة رأسمالية تختلف بشكل كبير عن تلك في الولايات المتحدة الأمريكية. في البلدان التي تفتقر لنظم النموذج الأمريكي القانونية والرقابية، فإن قواعد النموذج الأمريكي الرأسمالي ليست إلا دعوة لنزاع ما بين الإداريين ومالكي الأسهم، وبين أصناف مختلفة من مالكي الأسهم (ومن الواجب الإشارة إلى أن نزاعات كهذه توجد في الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، وهي متفاقمة بشكل إجمالي باختلال “قواعد عدم الاستيلاء” وقواعد الضرائب المعقدة، والتي تجعل من الصعب على المستثمرين تتبّع سلوك الإداريين.)
ما يهم، ليس ما إذا كان شكل سماعات الأذن بنفس الشكل التي في الولايات المتحدة، ولكن ما إذا كانت تولّد الثروة والحرية. وذلك يتطلب الانتباه إلى أنماط السبب والأثر، والقيود التي تحيط بتنفيذ الإجراءات والقوانين. إننا لا نستطيع تجنب مشكلة تحديد السبب والنتيجة.[4]
الأنظمة المتطورة تحتاج إلى قوانين بسيطة
هناك علاقة سببية واحدة طبقت بشكل جيد، وهي أن بساطة القوانين والمؤسسات تؤدي إلى زيادة تطور الأنظمة، وعلى سبيل المثال، إذا كان سهلاً على الناس الحصول على ملكية قانونية للأرض، يمكن لهم أن يخلقوا أنظمة اقتصادية واجتماعية متطورة. وقد أوثق هيرناندو دي سوتو على تعقيدات القوانين والتي يجب اتباعها من أجل الحصول على ملكية قانونية للأرض في عدة دول: تأخذ تلك الإجراءات في الفلبين “168 خطوة تتضمن مراجعة 53 مؤسسة خاصة وعامة، وتأخذ من 13-25 سنة لإكمالها”، وفي مصر تتضمن العملية “75 إجراءاً بيروقراطياً على الأقل بعد مراجعة 31 مؤسسة خاصة وعامة، وتأخذ من 5-14 سنة لانجازها”. والاختلافات مع الدول الغنية مثل كندا أو ألمانيا أو اليابان لا يمكن أن تكون أوضح من ذلك. الابتكارات التكنولوجية مثل تسجيل الانترنت، يمكن أن تساعد، ولكنها ليست بديلاً عن الحاجة للتخلص من التعقيد البيروقراطي الزائد.[5] إن الإجراءات المعقدة والمكلفة، هي غالباً ناتجة (أو على الأقل مصونة) عن الفرصة لخلق أو دعم الوظائف الحكومية، أو لإنتاج دخل قانوني إضافي لموظفي الحكومة.
الحصول على المُلكية من خلال الاحتلال ونقل الملكية من خلال البيع هي ليست أنظمة المُلكية الوحيدة الموضوعة بتعقيد غير ضروري من قبل المؤسسات التي صممت بشكل سيء من منظور غالبية السكان، ولكنه مصمم بشكل جيد من منظور مجموعات قليلة من أصحاب امتيازات الاحتكار. وفي بعض البلدان فإن انتقال المُلكية من خلال الوراثة معقد جداً ولكن في حالات أخرى، يعتبر بسيط جداً، الاختلاف هو مؤسسي، على سبيل المثال تعلمت من خلال رحلتي إلى جواتيمالا بأن المهنة القانونية في ذلك البلد عبارة عن احتكار في اجراء الوصايات، وعلى المحامي أن يُشغل في إنشاء وصية قانونية شرعية. والنتيجة هي فقط نسبة ضئيلة من السكان—النخبة الغنية—تستمتع بحماية العهود القانونية سارية المفعول. وبالتناقض، وبالانتظار لرحلة إلى بغداد، راجعت مؤخراً وصيتي باستخدامي برنامج حاسوب تجاري ويطلق عليه “صانع الوصية”. إن لم يتوفر لي حاسوب لكان باستطاعتي أن أشتري نموذجاً مبسطاً من أحد المراكز لأقل من دولار. أمليت الطلبات ووقعتها أمام ثلاثة شهود وهم وقعوا أيضاً، وكانت النتيجة وصية شرعية. وعاقبة ذاك الاختلاف هو أينما وضعت اجراءات التركة بكل تعقيد من قبل تلك الاحتكارات، استهلك أعضاء العائلة نسبة أعلى من صراع التركة على توزيعها أكثر من الحالة في الدول حيث تكون إجراءات الميراث بسيطة ومتوفرة للجميع.
هنالك أيضاً رابط قوي ما بين بلاء الفساد الحكومي ومدى التدخل الحكومي في السوق. فكلما زادت العوائق التي تفرضها الدولة في وجه رغبة المستهلكين والبائعين، على سبيل المثال، فإن الفرص تزداد للبيروقراطيين لانتزاع الرسوم والضرائب.
إن الدرس لمثل هذه التجارب واضح: القوانين والإجراءات التي تحكم التعاملات تحتاج إلى أن تكون بسيطة وفعالة. يمكن للحكومات أن تساعد في تبسيط القوانين من خلال التركيز على وضع قوانين أساسية من الإجراءات، ولكن ليس من خلال ضمان النتائج. القوانين التي تحكم الابلاغات التي تلح على العدالة والنزاهة في النتائج—بدلاً من بساطة الإجراء—لا بد من فشلها في ضمان العدالة أو البساطة.
الأسواق بحاجة إلى التنظيم وليس التدخل
إن النظام الموسع للمجتمع الحر يستند على ما أسماه فريدريك هايك “نظام الأعمال”. كما قال هايك: “إذا كانت الأعمال المنفصلة للأفراد تُنتِج نظاماً عاماً، فالمطلوب هو ليس أنه من غيرالضروري فقط أن يتدخلوا في شؤون بعضهم البعض، ولكن أيضاً مع تلك التقديرات والتي فيها نجاح العمل للأفراد يعتمد على أعمال مشتركة ما بين الآخرين، وسيكون هناك على الأقل فرصة جيدة بأن هذا التوافق سيظهر فعلاً.” وما نحتاجه هو نظام قد يعمل على جعل التعاملات منتظمة من خلال الاعتماد على قواعد وإجراءات بسيطة ومباشرة.
وما يسمى حالياً بـ”التنظيم” هو بالضبط لا يعتبر تنظيماً بالمرة، ولكن هو نظام اعتباطي، متقلب، وغير متوقع بتدخلاته، وبمشرِّعين أو بيروقراطيين مفوضين بتغيير القوانين كما ومتى أرادوا، وبفرض بلاغات وأوامر معقدة وباهظة وغير متوقعة على أفراد السوق. فلا فائدة من التعبير “القوانين” إذا كان لوصف شيء غير متوقع ومتغير كثيراً. وصف جميس ماديسون، المؤلف الرئيس لدستور الولايات المتحدة، مخاطر السماح للمشرِّعين أو البيروقراطيين بالتفرد في مثل هذه السلطة الاعتباطية، كما هي حالياً مطبقة تحت اسم “التنظيم”:
“مازالت التأثيرات الداخلية للسياسات المتقلبة أكثر مأساوية. فهي تسمم نعمة الحرية نفسها. فلو كانت القوانين كثيرة جداً بحيث لن يكون هناك وقت لقراءتها، أو إذا كانت مشوشة ومبهمة جداً بحيث لا يمكن فهمها، فإنه سيكون هناك فائدة أقل للأشخاص عند وضع القوانين بواسطة رجال يقومون هم باختيارهم. وإذا تم إلغاء هذه القوانين أو تعديلها قبل أن يتم نشرها، أو إذا مرت في سلسلة تغيرات متواصلة بحيث لا يستطيع أي مرء يعرف القانون اليوم أن يخمن ما سيكون عليه في المستقبل. فالقانون يُعرَف على أنه قاعدة عمل، ولكن كيف يكون هذا القانون قاعدة إذا كان يُعرَف ويُثبَّت بشكل أقل؟ التأثير الآخر لعدم استقرار السياسة العامة هو الفائدة غير المعقولة التي يعطيها لطبقة الأذكياء، والمغامرين، والأثرياء أكثر من طبقة العمال ومعظم الجماهير والذين لا تتوفر لهم المعلومات. يقدم كل تنظيم جديد يخص التجارة أو العوائد المالية، أو في أي حالة تؤثر على قيمة أنواع المُلكية المختلفة، يقدم ثمرة الجهد للأشخاص الذين يراقبون التغيير ويستطيعون تتبع نتائجها، وثمرة الجهد هذه لم تنشأ بجهودهم ولكن بكدح وتعب تلك الأعداد الضخمة لزملائهم المواطنين. هذه حالة الأشياء التي يمكن القول عنها كحقيقة نوعاً ما، أن القوانين صُنعت للأقلية وليس للأكثرية.”
لا يعد فقط ما يسمى بالسلطة التنظيمية الحديثة غير منتجة للتنظيم الفعلي، ولكن يمكن توفير الأنظمة بشكل فعال عن طريق المؤسسات الطوعية مثل مكاتب الاعتماد وشهادة الجودة والتقرير المالي ومقاييس الأداء والمكاتب الأخرى المشابهة. وتوفر هذه الأساليب التنظيمية غير الحكومية درجة عالية من قابلية التنبؤ. ولكونها تنافسية ولا تستطيع أن تتحكم بفرض الاحتكارات القسرية عند وضع الأنظمة، فإنها تستطيع على الرغم من ذلك أن تتبلور في الاستجابة للمتغيرات في التكنولوجيا واحتياجات السوق.
خاتمة
يهتم الليبراليون بالمؤسسات أكثر من غيرهم في أي تيار سياسي آخر، فهم يشددون على تطبيق المبادئ العلمية في العلاقات الاجتماعية أكثر من التفكير الخيالي، ولذلك فهم يركزون على الحوافز والتي تعني بأنهم مهتمون بشكل معمق في بناء ونشوء المؤسسات. ويتطلب ذلك أكثر من السببية المنطقية وراء الكثير من محاولات نسخ المؤسسات القائمة في المجتمعات الغنية، التي تقوم دون السؤال سواء كان ثراء هذه المجتمعات ناتجاً بواسطة هذه المؤسسات، أو المؤسسات—مهما كانت عدم فعاليتها—ممكنة بسبب الثراء السابق لهذه المجتمعات، الثراء الذي كان نتيجة مؤسسات أخرى مجتمعة. وتحتاج المجتمعات المتحررة والغنية إلى قوانين بسيطة وقابلة لأن يُتنبأ بها. وتستطيع الحكومة ذات السلطة المحدودة تزويد إطار العمل الأساسي للقوانين التي تجعل التعقيدات الاجتماعية ممكنة. ويفهم التنظيم على أنه القوانين والمبادئ التي تجعل التبادلات منتظمة، ويجب تمييزه عن تفويض المشرعين والبيروقراطيين لسلطة تغيير القوانين بشكل عشوائي وعرض إرادتهم على الآخرين من خلال المراسيم والأوامر. ويمكن توفير مثل هذا التنظيم بواسطة المؤسسات الحكومية الرسمية القانونية، والتي تتضمن الهيئة التشريعية ومحاكم القانون، أو بواسطة المؤسسات الطوعية للمجتمع المدني مثل مكاتب الاعتماد ومؤسسات تحديد المعايير. تعد الحركة الليبرالية فلسفة الحرية والقانون والازدهار. وهي أيضاً فلسفة مؤسسات القانون—أي لحكومة ذات سلطة محدودة—التي تنشئ الإطار الذي من خلاله نمارس الحرية، ومن خلال هذه الحرية يكوّن الأشخاص الثروة والازدهار العام.
حُضّرت هذه الورقة من أجل “البرنامج الليبرالي للقرن الجديد: وجهة نظر عالمية” وهو مؤتمر مدعوم بالاشتراك بين معهد كيتو ومعهد التحليل الاقتصادي والاتحاد الروسي للصناعيين وأصحاب المبادرة، 8-9 نيسان 2004، موسكو، الاتحاد الروسي الفيدرالي.
ملاحظات:
[1] إقرأ “البنية والتغير في التاريخ الاقتصادي” لدوغلاس نورث (نيويورك: شركة دبليو دبليو نورتون، 1981)، وبالأخص الفصل الخامس عشر: “المؤسسات عبارة عن مجموعة من القوانين وإجراءات الالتزام والأعراف الأخلاقية والسلوكية والتي تُكوَّن للحد من سلوك الفرد وذلك من أجل الرفع من المصلحة أو المنفعة أو الثروة.”
[2] “المؤسسات توفّر بنية من الحوافز للاقتصاد؛ وعند نشوء هذه البنية فإنها توجه التغير الاقتصادي نحو النمو أو الركود أو الهبوط.” دوغلاس نورث في “المؤسسات”.
[3] إقرأ ريتشارد إبستين “قوانين بسيطة لعالم معقد” (كيمبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفرد، 1995)، صفحة 21: “يتوجب أن يكون الرد الصحيح للمجتمعات الأكثر تعقيداً في اعتماده الكبير على قوانين بسيطة، وذلك يشمل القوانين القديمة التي طالما يتم إهمالها كبقايا من العصور القديمة الزائلة.”
[4] كمثال جيد عن وصف السببية، إقرأ دارون أسيموغلو وسيمون جونسون و جيمس إيه. روبنسون “قصة نجاح إفريقية: بوتسوانا” 11 تموز 2001، حيث أشار الكتّاب، في بوتسوانا: “إن النظام الأساسي للقانون والعقود نجح بشكل معقول. فقد قل نسبياً النهب الحكومي والخاص. ولم تُحدث العوائد الكبيرة من الماس عدم استقرار سياسي محلي أو نزاعاً على التحكم بذلك المصدر… نرى أن السياسات الاقتصادية الجيدة لبوتسوانا، ونتيجة لذلك نجاحاتها الاقتصادية، تعكس مؤسساتها، أي ما نسميه مؤسسات الملكية الخاصة والتي تحمي حقوق الملكية للمستثمرين الحقيقيين والمحتَملين، وتوفر الاستقرار السياسي، وتضمن تقييد النخبة السياسية من خلال النظام السياسي ومشاركة كافة أطياف المجتمع.”
[5] في بعض الحالات، قد تساعد التكنولوجيا على تبسيط الإجراءات، كما هو الحال في أندهرا براديش في الهند حيث قلّصت الحوسبة الوقت المطلوب لتسجيل تغيير ملكية الأرض من عشرة أيام إلى ساعة واحدة، ولكن ببساطة وفي معظم الحالات يبقى التخلص من عدد الهيئات المعنية والتصاريح المطلوبة خطوة أكثر فائدة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 23 كانون الثاني 2006.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018