تونس : بين النمو الاقتصادي و التعثر الديمقراطي

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

اتبعت تونس في تطورها خال العقدين الماضيين مسارين مختلفين تماما. ففي المجال الاقتصادي، انتهجت سياسة انفتاح مرفقة بإطار مؤسساتي يشجع المبادرة الحرة و يحترم على العموم حقوق الملكية مما نتج عنه تحقيق نتائج اقتصادية لا بأس بها (حوالي 5% كمعدل نمو خلال هذه الفترة). بالمقابل و على الصعيد السياسي تضاءلت الآمال بحدوث أي تحول ديمقراطي بهذا البلد و ذلك نظرا لتزايد مسلسل التضييق على الحريات السياسية و المدنية. إنها إذن حالة جديدة لتلك الأنظمة الغير الديمقراطية التي تنجح في تحقيق معدلات نمو اقتصادية جيدة.
لكن، و حسب عالم الاجتماع الأمريكي سيمور مارتن لييسيت فإنه كلما ارتفع الدخل الفردي في بلد ما و ارتفع مستوى التربية و التعليم لدى ساكنته و ازدادت درجة انفتاحه الاقتصادي إلا و ظهرت بوادر حدوث تحول ديمقراطي به. لأن هذا يوسع من انتشار الطبقات الوسطى داخل المجتمع. تلك الطبقات التي غالبا ما شكلت المحرك الأساسي لمسارات التغيير السياسي و الاقتصادي. في تونس و رغم تحقيق كل تلك الشروط الاقتصادية لا نلاحظ ظهور أية بوادر لتحول ديمقراطي. لماذا إذن لا يؤدي النمو الاقتصادي إلى تحول ديمقراطي في هذا البلد؟ و ما هي الأسباب التي تمنع الطبقات الوسطى لحد الآن من الدفع في اتجاه دمقرطة النظام؟
هل النمو الاقتصادي المحقق غير كافي؟
من الممكن أن يكون مستوى النمو الاقتصادي الذي وصلته تونس غير كافي للدفع في اتجاه تحول ديمقراطي. لأنه، و رغم أن ما ثم القيام به لحد الآن يسير في الاتجاه الصحيح لكن يبدو أن الاقتصاد التونسي لازال في حاجة إلى إصلاحات ليبرالية أكثر عمقا. فهذا التقرير الدولي حول حقوق الملكية لسنة 2009 في المرتبة 40 عالميا (الأولى في المغرب العربي و الثانية في إفريقيا). و هذا تقرير المنتدى الاقتصادي لدافوس حول التنافسية يصنف الاقتصاد التونسي كأول اقتصاد في إفريقيا و المغرب العربي وفي المرتبة 35 عالميا متجاوزا بذلك دولا أوربية كالبرتغال و إيطاليا و اليونان.
لكن في حقيقة الأمر لازالت هناك ثغرات تهم مجال القضاء الذي يعتبر ذا أهمية قصوى بالنسبة لحقوق الملكية و للتنافسية. و أي تحسن يطرأ على مستوى أداء هذا القطاع قد يؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي أكبر. من جهة أخرى حقق قطاع التربية و التعليم بتونس نتائج لا بأس بها حيث أن برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 2008 يتحدث عن نسبة 74.3 % من التونسيين الذين يجيدون القراءة و الكتابة و هي نسبة تعتبر جيدة على الصعيد الإفريقي لكن مقارنة مع الدول المتقدمة فإنه لابد من بدل المزيد من الجهود لتحسين الأداء بهذا القطاع.
إذن هل يمكن أن نقول أن النمو الاقتصادي بتونس لم يصل إلى المستوى الذي يسمح بحدوث تحول ديمقراطي؟ تتبعنا لتجارب دول أخرى قد يبعد هذه الفرضية أو على الأقل يضعف من أهميتها، فكوريا الجنوبية حققت تحولا ديمقراطيا في مرحلة كان فيها دخل الفرد أقل من مستواه الحالي في تونس(1460 دولار مقابل 4000 دولار).
الطبقات الوسطى و مساندة الوضع القائم.
لقد كان للطبقة الوسطى دور تاريخي فاعل في التحول الديمقراطي(دور بورجوازية المدن في توطيد الديمقراطية في أوربا الغربية). لقد ساندت هذه الطبقة التغيير الديمقراطي لأنه يمنح إطارا سلميا يسمح لها بالحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية و يبعد خطر الميول الثورية للطبقات الفقيرة.
أما في تونس فيبدو أن الغالبية قد استفادت من النمو الاقتصادي للعقدين الأخيرين. في هذا الإطار تتحدث التقارير الرسمية عن 80% من العائلات التي تمتلك سكنها. كما أن مظاهر البؤس و التهميش تخف حدتها في العاصمة التونسية مقارنة مع  المشاهد التي قد نجدها في القاهرة أو الدار البيضاء.
إذن قد يكون لهذا الإطار الاجتماعي الذي تغيب فيه الفوارق الفاحشة و يتمتع فيه المواطن نسبيا بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية دور في توطيد مساندة شرائح من المجتمع لهذا النظام السياسي حتى و لو لم يكن ديمقراطيا. ففي الوقت الذي لا يكون فيه النظام الديمقراطي هو الوحيد الذي يمنح السلم الاجتماعي. فإن الطبقات الوسطى قد لا تطالب به خاصة إذا كان يحمل في طياته أخطار صراع مسلح.
وضعية جيوسياسية غير مستقرة قد تشجع على الاستبداد
منذ وصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى السلطة سنة 1987 تعرض نظامه لمعارضة شديدة من طرف حزب النهضة الإسلامي. كما أن تفاقم الصراع بين الإسلاميين والنظامين المصري و الجزائري قد أدى بالنظام إلى تقوية سلطته مستغلا بذكاء أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 و تفجير جربة سنة 2002 كي يقدم نفسه كواق ضروري أمام المد الإسلامي. الشيء الذي جعله يضمن مساندة أغلب الأنظمة الغربية بالإضافة إلى شرائح عديدة من المجتمع التونسي المرعوبة من المشاهد الدموية التي كانت تأتي من الجزائر طيلة عقد التسعينيات. و هنا لابد أن نؤكد على أن تنظيم انتخابات حرة و ما نتج عنها من حرب أهلية بالجزائر لم يعطي صورة جيدة عن التحول الديمقراطي داخل الأوساط التونسية بما فيها الطبقات الوسطى. هذه الأخيرة التي فضلت الاستقرار السياسي الذي يضمن لها مكتسباتها الاقتصادية ولو في ظل نظام غير ديمقراطي على تحول ديمقراطي مجهول العواقب قد يحمل في طياته صراعا مسلحا. و السؤال المطروح هو هل سيظل هذا الاختيار قائما حتى لو تغيرت الظروف الاقتصادية و السياسية بتونس؟هل يمكن لوضع جهوي أكثر استقرارا أن يؤدي بالنظام إلى التوجه نحو انفتاح سياسي؟ هل يمكن لمستوى أكبر من النمو الاقتصادي أن يؤدي إلى التحول الديمقراطي المنشود؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة عن كل هذه الأسئلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018