peshwazarabic9 نوفمبر، 20100

أيـما دولة في التاريخ الإنساني تكون على شقين، نظام يَحْكُم وشعبٌ يُحْكَم بينهما تفاعلٌ نسبي، بمقداره يكون مدى تميز الدولة بين الأمم.. وإذا ساء الحُكم وجنح إلى فشلٍ تسوء على إثره مقادير المحكوم وحظوظه، وأيضاً تفتقر إلى أمانٍ تعوزه طاقات ترنو إلى النِّتَاجِ والنماء، عندما تُقصَرْ عنهما تصير طاقات عنف ودمار.
يقول ديورانت في موسوعته «قصة الحضارة»: “الحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلي فهم الحياة وازدهارها”، وعلى النقيض منه يصير السقوط حاضراً في دولة الخوف، في حضرة نظامٍ يدَحضُ الفكر ويقوض الطاقات، وفي أسوا الأحوال يستأصلُ القوى الحية في المجتمع.
وفي ذات الإطار، مقولة لابن خلدون بأن العدل أساس لبقاء الدولة واستمرارها، بينما الظلم أساس النهاية والانقضاء، وعنده أيضاً، أن العمل والإنتاج والكسب أساس رئيس للدولة، وانتفاءه يفضي إلى حيف اجتماعي يتفاقم مع ما يقترفه النظام بحق المضطهدين، ومع ذلك تظل السلطة لا تدرك المخاطر، وإذا شاءت الظروف لها أن تستفيق من الوهم فسيكون الوقت قد فات.
إن استمرار الجور يجعل السلطة مترفة غير أنها ضعيفة سياسياً، إذ سرعان ما تعصف ببنيانها الأزمات، وتتفاقم سوءات النظام ويتوحش الفساد، بالتالي لن تظل الجماهير حبيسة الخوف والصمت، عندها لا سبيل لردها عن ثورتها مهما بلغت أفانين القهر والاستبداد، وللإمام علي-رضي الله عنه- مقولة مؤداها.. أن الكفر يتواجد في المكان الذي يتواجد فيه الفقر.
لذا يكون الكثير من العنف في مواجهة سلطة الخوف تبريراً حاجياً تتجه إليه القوى المعطلة، علاوةً على أن الإسقاطات النفسية لتراكمات الإحباط والاحتقانات النفسية لمكبوتات القهر عبر سنوات طوال، ُجيرت لحساب عنفٍ يطغى على كل شيء، إلى أن يقوض الدولة، وفي أحايين يكون للعنف المفرط قوالب فكرية يبرر بها تصفية نظم سياسية واجتماعية وثقافية، بدواعي القضاء على الرجعية أو الطبقية …. الخ.
ويقول لينين في وصف الحركة الثورية: “لا حركة ثورية من دون نظرية ثورة”، حيث قد تغدو انتفاضة وثورة الضعفاء إرهاباً لا ينفك من التكرار في ماضي التاريخ الإنساني وحاضره. وبمناسبة الحاضر، فإن الاستبداد قد تعدى الأنماط الملكية في قوالب استبدادية جديدة، غير مسبوقة بدءاً بحقبة الثورة الفرنسية، التي جعلت من الأبعاد التنويرية مصوغات لممارسات النظام الثوري للقمع والإرهاب، بدءاً بمجزرة سبتمبر  1792م  (عقب الثورة) إلى غاية سقوط دكتاتور الثورة “روبسبيير” في يوليو 1794، ورغم إعدام النظام الثوري لثائر روبسبير، إلا أن الفوضى (أو ماشابهها) استمرت عقب سقوط النظام الملكي عقوداً تقارب مائة عام.
غير أن العنف المفرط الذي حصل في حقبة الثورة الفرنسية ووري جانباً، مقارنة باستبداديات أنظمة الثورات الفاشية والنازية والشيوعية، فروسيا الشيوعية في عهد الدكتاتور ستالين، لم يسلم من استبداده رفقاء الدرب، إلى درجة أن التقرير (حسب الأستاذ هيكل) الذي قدمه خورتشوف عن حقبة ستالين السوفييتية كان صاعقاً ومؤثراً لاحقاً في الإتحاد السوفييتي نفسه.
المقصود هنا: “ذلك النمط من الحكم الذي يستدعي القوة والحسم الجذري في التعاطي مع السياسة وقضايا الاجتماع باسم ادعاءات حداثية وتنويرية، وهو إرهاب يتراوح بين الاستخدام الفج والصريح للعنف المنظم من طرف مؤسسات الدولة وأجهزتها، وبين العنف “الصامت” الذي يقوم على سن تشريعات قانونية تعسفية وحامية لإرهاب الدولة المنظم”.
فحين تسهم سياسات الدول الفاشلة في الفوارق السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، باتخاذها للقمع طابعاً سياسيا وبديلاً عن مؤسسات مجتمعية ومدنية تستفرغ طاقات نخب تبغي في أقل مقاصدها إيصال الحاجات الإنسانية للنظام، فإن حالتي التضييق والخنق المتفاقم تعني أن توظف قوى المجتمع في دورة عنف متبادل، حيث يصير العنف حينها تفكيراً استدعائنا لكل ما تمثله الدولة المستبدة التي توصد أبوابها وآذانها في وجه الجمهور، فلا تجد الشكاية مستساغاً لتصريفها سوى الأدوات الأمنية التي بمعدل استخداماتها تتوالد أطوار العنف التي لا تجد بداً من استمرار دوامة العنف بقوالبها السياسية، المذهبية، الثقافية وحتى التجمعات القبلية.
العنف (بالتالي) يصبح تشريعاً سياسياً لأجل ممارسة الضغوط السياسية بواسطة مظاهر عنيفة تحدث أضراراً أحياناً بمكونات حكومة الدولة التي تكون في الغالب متربعة على سياسات فاشلة، ويشيع في هذه الدولة، حسب موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، الجو التسلطي حيث يصير الجو الاجتماعي استبدادياً، إذ أن الزعيم المستبد يصنع كل القرارات الاجتماعية ويقلل اتصالاته بأعضاء الجماعة إلى أدنى الحدود.
ويتعاظم الاستبداد كلما توقعت الشخصية المستبدة إن خطراً سيأتي به خروج المجتمع من قوقعته ومغلف البؤس الذي تستنكف خططه السياسية خروجاً عن تلك الظروف، ولذوي علم النفس أبحاث في طرازات الشخصية المستبدة، فقال أدورنو وفر ينجل وليفنسو وسانفورد عام 1950م بعد قيامهما ببحث تاريخي خلصا منه إلى أن الشخصية المستبدة أو المتسلطة هي نمط من الشخصية التي ينمو صاحبها وسط أبوين يكونان مسيطرين، بما ينمي لديه حب التسلط، حيث أن الطفل إزاء تلك السيطرة ينمو في نفسه شعور الكراهية التي يكبتها مقابل جبروت الوالدين، وما ينبغي أن يكنه من حب لهما، لكن الكراهية يسقطها نفسياً على الآخرين، وخصوصاً الضعفاء غير القادرين على الرد، والقلة الأجناسية والدينية في مجتمعه، حيث أن المستبد يحترم القوة ويخشاها، ويحترم القوى الأكبر منه التي يخضع لها، بل ويتجه نحوها، وشعور الاستبدادي نحو الأقوى ثنائي فهو يكرههم لقوتهم ويمتثل لهم لأنه ذاته النفسية تعودت على الخضوع للأقوى ولتوجيهاته، وهو أيضاً عاجز عن التصرف بمفرده، إذ هو دائم الاحتكام إلى رؤسائه لو كان مرؤوساً، وإلى القوانين واللوائح ينفذها تنفيذاً صارماً، وعندما يجتهد في أمر مستقبلي فلا يحيد عنه قيد أنملة، أو يفسر أمراً ما فلا يتنازل عن تفسيره ولا يرجع عنه أبداً وإن خسر كل شيء، وبالتالي فطراز الشخصية المستبدة تصير كارهة للتغيير السياسي والاجتماعي، ومقاومة لكل جديد، لأن ذاته الراكدة يقلقها أن التغيير سيهدد وجودها.
في الدولة المستبدة تختفي مظاهر العمليات العقلية، فيصبح الأفراد بمقتضاها مغيبين عن إدراك البيئة الداخلية والخارجية، حيث يجري تلغيم عمليات المعرفة من إحساس أو إدراك و انتباه وتذكر وربط وحكم وتفكير ووعي، فقد أثمرت الدعايات السوداء المنظمة في التأثير السلبي على اتجاهات وآراء الآخرين ، غير أن الاستقراءات التاريخية تدل على أنه كلما طغت ظروف الكبت والاستبداد الاجتماعي كلما أفضى ذلك إلى دورات من العنف والإحترابات تجرف كل شيء عندما تجد مساحات أو مجالات للتحرك والقفز من العتمة والظلمة المستبدة إلى واجهة الأحداث، إذ أن واقعاً استبدادياً يجني في بدأه على ثوابت النهوض وعند انقضائه تتكفل الظروف بما ستؤول إليه دورة العنف، وحينها يكون للتيارات الفكرية فرصاً للتحرك كحال فكرة الشيوعية التي تحرك قطعانها عندما آن أفول القيصرية عن روسيا، أو الثورة الشيعية بإيران عندما حان أفول الشاه، الذي انشغل بذاته فكانت تسيطر رغباته الفردية وحاجاته الذاتية على تفكيره الواقعي الذي يفترض أن يراعي الأعراف والتقاليد المجتمعية الإيرانية، التي اجتاح هيجانها أدوات القمع تحول بينه وبين شعبه. لذا، الدولة الفاشلة لا تعقل أين تفضي بالمجتمع سياستها!، ففي ظلها تتهيأ وتنتشر سلوكيات فكرية تستثمر حالات التآكل في بنية المجتمع الواحد لتسويق الخلاص، منها الإدعاء بالانكفاء على الماضي.. ورغم ادعاءاتها إلا أنها حيال تيارات فكرية مغايرة، تتعامل معها بذات المبدأ الاستبدادي والإقصائي الذي تدعو الناس للتخلص منه.
وأحسبُ أن طغيان الخوف بين الحاكم والمحكوم في مجتمعات عربية وإسلامية يعزز من وهن تلك الدول، التي تتجسد أنظمتها في فردية الحاكم الذي سيكتشف حقيقة مرة، هي انفضاض الشعب والقوات العسكرية عنه، حينما تجد أن نظامها الحاكم لم يعد موجوداً. ولعل سقوط بغداد المدوي في مواجهة الغزاة يغني عن الكثير من الحديث حول ما جرى وقتها وبعدها، (أو ما زاد  من تناميه أطراف الاحتلال)، إذ طغى عنف طوائف وجماعات لا تكاد تستسيغ الآخر عبر تراكمات أحقاد سابقة وذرائع دينية تبرر من خلالها إرهاباً لا يكاد ينتهي.
© منبر الحرية، 28 فبراير 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018